“كرة القدم بين عدالة الملعب وسياسة التحكم بالشعوب”
لم تعد كرة القدم في هذا العصر لعبة بريئة تركض فيها الأقدام خلف كرة مستديرة، بل أصبحت واحدة من أخطر أدوات التأثير السياسي والثقافي والاقتصادي في العالم. فهي اليوم ليست مجرد بطولة ولا مجرد جمهور ولا مجرد منتخبات وطنية، بل صارت صناعة ضخمة تتحكم في عواطف الشعوب، وتعيد تشكيل صورة الدول، وتمنح الاعتراف الرمزي لمن تريد، وتحجبه عمّن تريد. ومن يتأمل تاريخ كأس العالم يجد حقيقة صارخة لا يمكن تجاهلها: لم يحصل أي منتخب عربي أو آسيوي على كأس العالم منذ تأسيس البطولة، بينما بقي اللقب محصوراً بين أوروبا وأمريكا الجنوبية، وكأن العالم الكروي لا يعترف إلا بمراكز القوة التقليدية. وهنا يجب أن نطرح السؤال بجرأة: هل يعني ذلك أن العرب والآسيويين غير مؤهلين كروياً؟ هل يعني أن أبناء هذه الشعوب لا يملكون الموهبة ولا الروح ولا القدرة على المنافسة؟ الجواب قطعاً لا. فالموهبة لا تولد في أوروبا وحدها، والمهارة لا تحمل جواز سفر غربياً، والإبداع الكروي ليس حكراً على عرق أو قارة أو لغة. إن الملاعب الشعبية في بغداد والقاهرة والرياض والدوحة والدار البيضاء وطوكيو وسيول وطهران وعمّان تخرج مواهب فطرية لا تقل عن مواهب مدريد وباريس وروما وبرلين. لكن المشكلة ليست دائماً في اللاعب، بل في المنظومة التي تحيط باللاعب، وفي المؤسسة التي تدير البطولة، وفي المال الذي يتحكم بالقرار، وفي الإعلام الذي يصنع الأسطورة ويقتل الحقيقة. لقد أثبتت الوقائع أن الاتحاد الدولي لكرة القدم لم يكن دائماً مؤسسة نقية كما يحاول أن يقدم نفسه للعالم. ففضائح الفساد التي انفجرت عام 2015، واتهامات الرشوة وغسل الأموال والتلاعب بحقوق البث والتسويق الرياضي، كشفت أن اللعبة الجميلة كانت تُدار في كثير من مفاصلها بعقلية السوق الخفي، لا بعقلية العدالة الرياضية. وحين تدخل الرشوة إلى جسد الرياضة، فإن النتيجة لا تبقى مجرد فساد مالي، بل تتحول إلى ظلم تاريخي؛ لأن المال الفاسد لا يشتري صفقة فقط، بل يشتري صمتاً، ويشتري قراراً، ويشتري نفوذاً، وربما يشتري طريقاً معبداً لفريق، وطريقاً شائكاً لفريق آخر. إن ما يسمى بالنزاهة الرياضية يصبح بلا معنى عندما تكون مراكز القرار محكومة بمصالح كبرى، وعندما يكون نفوذ القارات غير متوازن، وعندما تكون المنتخبات القادمة من العالم العربي وآسيا مطالبة دائماً بأن تثبت نفسها عشرات المرات، بينما تُغفر أخطاء الكبار بسرعة، وتُبرر هزائمهم، وتُعاد صناعة صورتهم إعلامياً. أما حين ينتصر منتخب عربي أو آسيوي، فيُقدَّم الأمر أحياناً وكأنه مفاجأة عابرة أو صدفة جميلة، لا كدليل على أن هذه الشعوب قادرة متى ما توفرت لها العدالة والاحترام والفرصة المتكافئة. لقد رأينا السعودية تهزم الأرجنتين في كأس العالم 2022، ورأينا المغرب يصل إلى نصف نهائي كأس العالم في إنجاز تاريخي هزّ الصورة النمطية عن الكرة العربية والأفريقية. هذه الوقائع لم تكن معجزة نزلت من السماء، بل كانت دليلاً واضحاً على أن اللاعب العربي يملك الروح والعقل والانضباط والشجاعة. لكنها أيضاً كشفت شيئاً آخر: أن المشكلة ليست في غياب القدرة، بل في طول الطريق، وفي ثقل الجدار، وفي منظومة عالمية لم تتعود أن ترى العربي أو الآسيوي واقفاً في مركز البطولة لا على هامشها. ومن المنظور الديني والأخلاقي، فإن الظلم لا يصبح مقبولاً لأنه جاء بلباس رياضي، ولا يصبح الفساد نظيفاً لأنه اختبأ خلف الأضواء والكاميرات والشعارات. إن الله تعالى أمر بالعدل، والعدل لا يتجزأ بين مسجد وملعب، ولا بين دولة ومؤسسة، ولا بين سياسة ورياضة. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾، وقال سبحانه: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. فإذا كانت كرة القدم تزعم أنها تجمع الشعوب، فعليها أولاً أن تحترم الشعوب، وأن تفتح أمامها الطريق بميزان واحد، لا أن تجعل بعض الأمم ضيوفاً دائمين، وبعض الأمم أصحاب بيت دائمين. إن أخطر ما في كرة القدم الحديثة أنها تحولت إلى أداة ناعمة للتحكم بالوجدان الجماعي. فالمنتخب لم يعد فريقاً فقط، بل صار رمزاً وطنياً، وانتصاره يرفع معنويات شعب كامل، وهزيمته تكسر قلوب الملايين. لذلك فإن التحكم بالرياضة هو شكل من أشكال التحكم بالبلدان، لأن من يتحكم برمز الدولة يتحكم بجزء من صورتها، ومن يتحكم بصورة الشعوب يستطيع أن يزرع في داخلها عقدة النقص أو وهم العجز. وهذا ما يجب أن نرفضه. فالعرب وآسيا ليسوا أقل شأناً، ولا أقل ذكاءً، ولا أقل موهبة، ولكنهم يحتاجون إلى منظومات وطنية قوية، واتحادات نظيفة، واستثمار طويل، وإدارة محترفة، وإعلام شجاع، ومطالبة دولية حقيقية بإصلاح الفيفا لا بتلميع وجهها. إن المطلوب ليس أن يُمنح العرب أو الآسيويون كأس العالم مجاملة، فالمجد لا يُستجدى، والكأس لا تُهدى لمن لا يعمل. المطلوب هو أن تكون المنافسة عادلة، والتحكيم شفافاً، والقرارات نزيهة، والتعامل الإعلامي محترماً، وتمثيل القارات متوازناً، والعقوبات واحدة على الجميع. أما أن تبقى كرة القدم محكومة بمراكز النفوذ والمال والتسويق والعلاقات المغلقة، ثم يُقال للشعوب الضعيفة: المشكلة فيكم، فهذا ليس تحليلاً رياضياً، بل خداع سياسي مغلف بلغة الرياضة. إن الفيفا مطالبة اليوم بأن تثبت للعالم أنها مؤسسة رياضية لا سوق نفوذ، وأن كأس العالم ملك للشعوب لا للنخب المتحكمة، وأن الملعب يجب أن يكون مساحة عدل لا امتداداً لخريطة القوة العالمية. أما الشعوب العربية والآسيوية، فعليها أن تكسر حاجز الخوف، وأن تبني قوتها من الداخل، وأن ترفض عقدة الاستصغار، وأن تؤمن أن الطريق إلى الكأس يبدأ من إصلاح البيت الكروي المحلي قبل مواجهة الخارج. فالفساد العالمي لا يُهزم بالشكوى وحدها، بل بالوعي، والتنظيم، والعلم، والإدارة، والإيمان بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. ستبقى كرة القدم شاهداً على صراع أعمق من حدود الملعب؛ صراع بين العدالة والاحتكار، بين الشعوب ومراكز النفوذ، بين الموهبة الحرة والسوق المتحكم. وحين يأتي اليوم الذي تُدار فيه اللعبة بروح العدل لا بروح المال، سنرى أن العرب وآسيا ليسوا خارج التاريخ الكروي، بل كانوا ضحايا طريق غير متكافئ، وعندما يتساوى الطريق ستتكلم الأقدام بما عجزت عنه المؤسسات، وسيعرف العالم أن الكأس لا تعرف أوروبا وحدها، بل تعرف كل أرض أنجبت موهبة، وكل شعب آمن بحقه، وكل أمة رفضت أن تبقى على الهامش.
✍️بقلم .أ.د.أحمد الموسوي
بتأريخ 07/07/2026
Time:6pm

Leave a comment