
“سِحْرُ الطَّبِيعَةِ”
وَقَفْتُ عَلَى شَطِّ النَّهَارِ مُسَلِّمًا
فَرَدَّتْ عَلَيَّ الرِّيحُ أَطْيَبَ سَلَامِ
وَمَالَتْ غُصُونُ الْغَابِ حَتَّى حَسِبْتُهَا
أَصَابِعَ نُورٍ تَسْتَحِثُّ الْغَمَامِ
وَسَاءَلْتُ فَجْرَ الْكَوْنِ عَنْ قَلْبِ وَرْدَةٍ
أَيَحْمِلُ بَيْنَ النُّورِ سِرَّ الظَّلَامِ
فَأَوْمَأَ لِيَ الطَّلُّ النَّدِيُّ مُبَشِّرًا
هُنَا يَبْرَأُ الْجُرْحُ الْقَدِيمُ مِنَ السَّقَامِ
إِذَا ابْتَسَمَتْ عَيْنُ السَّحَابَةِ لِلْمَدَى
تَفَتَّحَ فِي أَعْمَاقِهِ زَهْرُ أَحْلَامِ
وَإِنْ مَسَّ جِيدَ التِّينِ طَيْفُ صَبَاحِهِ
تَنَفَّسَتِ الْأَغْصَانُ مِنْ بَيْنِ أَكْمَامِ
رَأَيْتُ عَلَى وَجْهِ الْجَدَاوِلِ بَسْمَةً
تُرَمِّمُ مَا أَبْقَتْهُ كَفُّ الْأَيَّامِ
وَفِي صَخْرَةٍ صَمَّاءَ قَلْبٌ مُوَحِّدٌ
يُرَتِّلُ تَسْبِيحًا كَنَبْضِ النِّظَامِ
تُحَاوِرُنِي الْأَطْيَارُ حِينَ أَمُرُّهَا
فَأَفْهَمُ مِنْ صَمْتِ الْجَنَاحِ الْكَلَامِ
وَيَرْفَعُ عُشْبُ الْأَرْضِ رَأْسًا كَأَنَّهُ
يُزِيحُ عَنِ الْوَجْهِ الْحَزِينِ اللِّثَامِ
وَتَغْسِلُنِي الْأَنْوَارُ حَتَّى كَأَنَّنِي
خُلِقْتُ لِأُصْغِيَ لِلْجَمَالِ الْمُقَامِ
وَمَا سِحْرُ هَذَا الْكَوْنِ زَهْرًا وَجَدْوَلًا
وَلَكِنَّهُ رُوحٌ تُهَذِّبُ لِلْهُيَامِ
هُنَاكَ تَرَى لِلصَّمْتِ أَفْصَحَ خُطْبَةٍ
وَلِلْقَطْرِ فَوْقَ الْوَرْدِ أَغْلَى وِسَامِ
وَتَحْمِلُ كَفُّ الْغُصْنِ شَمْسًا صَغِيرَةً
تُنِيرُ لِطَيْرٍ ضَلَّ بَيْنَ الرُّخَامِ
إِذَا جَنَّ لَيْلُ الْغَابِ أَوْقَدَ نَجْمَهُ
فَصَارَتْ رُبَى الْوَادِي كَأَحْضَانِ خِيَامِ
وَيَمْضِي الْفُرَاتُ الْعَذْبُ شِعْرًا مُرَتَّلًا
فَتَصْغَى لَهُ الدُّنْيَا وَتَهْفُو الْأَنَامِ
وَيَبْدُو لَنَا الْبَدْرُ الْمُنِيرُ كَدَمْعَةٍ
تُرَتِّبُ فِي عَيْنِ اللَّيَالِي ابْتِسَامِ
فَيَا سِحْرَ هَذِي الْأَرْضِ لَسْتَ بِمَنْظَرٍ
وَلَكِنَّكَ الْمَعْنَى الْعَصِيُّ عَلَى الْأَقْلَامِ
تَعَلَّمْتُ مِنْكَ الْحُبَّ لَا زُخْرُفًا يُرَى
وَلَكِنَّهُ جُرْحٌ يُضِيءُ بِإِلْهَامِ
وَأَدْرَكْتُ أَنَّ الْحُسْنَ لَيْسَ بِزِينَةٍ
وَلَكِنَّهُ سِرٌّ يَشِفُّ بِخِتَامِ
(البحر الطويل)
“سِحْرُ الطَّبِيعَةِ”
✍️ بقلم الأديب الدكتور أحمد الموسوي
جميع الحقوق محفوظة للدكتور أحمد الموسوي
بِتَأْرِيخِ 05/02/2014
Time: 6:pm
Leave a Reply