“مِرْآةُ الرُّوحِ”
أُقَلِّبُ مِرْآةَ الْفُؤَادِ فَأَنْثَنِي
وَأُبْصِرُ فِي صَمْتِي جِنَازَةَ مُضْمَرِ
وَمَا كَسَرَتْنِي الرِّيحُ حِينَ تَعَاظَمَتْ
وَلَكِنَّنِي انْهَدَّتْ يَدَايَ عَلَى الصَّخْرِ
رَأَيْتُ بِهَا وَجْهِي يَشِيبُ كَأَنَّهُ
سَحَابٌ تَدَلَّى مِنْ مَجَاهِلِهِ النَّحْرِ
وَكَمْ لَيْلَةٍ نَاجَيْتُ فِيهَا تَصَدُّعِي
فَعَادَ صَدَى نَجْوَايَ مَصْبُوبَةَ الْجَمْرِ
أُفَتِّشُ فِي عَيْنَيَّ عَنْ ضَوْءِ غَائِبٍ
فَأَلْقَى بَقَايَاهُ مُعَلَّقَةَ الْفَجْرِ
وَمَا الدَّمْعُ إِلَّا رِيشَةٌ كَسَرَ الْأَسَى
جَنَاحَيْهَا حَتَّى تَهَاوَتْ عَلَى الصَّبْرِ
إِذَا قُلْتُ: قَدْ أَبْرَأْتُ جُرْحِي، تَذَكَّرَتْ
مَرَايَايَ أَنَّ الْجُرْحَ أَعْمَقُ مِنْ عُمْرِ
وَفِي كُلِّ شَرْخٍ كَانَ يَخْتَبِئُ الَّذِي
نَسِيتُ، فَأَحْيَا مِنْ تَحَجُّرِهِ القَبْرِ
كَأَنَّ وُجُوهَ الرَّاحِلِينَ بِلَيْلِنَا
قَنَادِيلُ مَوْتَى تَسْتَضِيءُ عَلَى الدَّهْرِ
تَمُرُّ، فَلَا أَدْرِي أَأَلْمَحُ ظِلَّهُمْ
أَمِ الظِّلُّ يَلْقَانِي بِمِرْآةِهِ الوَتْرِ
أَشَدُّ الْمَنَايَا أَنْ تَظَلَّ مُشَيَّعًا
وَتَمْشِي، وَفِي كَفَّيْكَ جِنَازَةُ الْحِبْرِ
وَأَقْسَى الْمَرَاثِي أَنْ يَمُوتَكَ وَاحِدٌ
فَيَكْتُبَ فِيكَ الْحُزْنُ مِيلَادَهُ الشِّعْرِ
أُدَاوِي انْكِسَارِي بِالْقَصَائِدِ، إِنَّهَا
تُغَطِّي عُرِيَّ الرُّوحِ لَا وَجَعَ البَحْرِ
وَلَكِنَّ حَرْفِي كُلَّمَا شَدَّ جُرْحَهُ
تَفَتَّحَ مِنْهُ الْمَوْتُ فِي هَيْئَةِ العِطْرِ
فَلَا تَسْأَلِ المِرْآةَ عَنْ سِرِّ صُورَتِي
فَفِيهَا يَنَامُ الْغَائِبُونَ عَلَى الخَدْرِ
وَلَا تَطْلُبِ النِّسْيَانَ مِنْ قَلْبِ شَاعِرٍ
إِذَا احْتَرَقَتْ ذِكْرَاهُ أَثْمَرَتِ السِّحْرِ
أَنَا لَمْ أَكُنْ إِلَّا انْعِكَاسًا لِصَوْتِهِمْ
فَلَمَّا انْطَفَوْا صِرْتُ أُصْغِي إِلَى القَفْرِ
أُقَلِّبُ وَجْهِي فِي الزُّجَاجِ فَلَا أَرَى
سِوَى طِفْلِ أَمْسٍ خَافَ مِنْ صَمْتِهِ البِكْرِ
وَأَعْلَمُ أَنَّ الرُّوحَ مَا خَانَ دَمْعَهَا
سِوَى أَنَّهَا صَارَتْ أَمِينَةَ لِلْوِزْرِ
فَلَمْ تَنْكَسِرْ مِرْآتِيَ الْيَوْمَ وَحْدَهَا
وَلَكِنَّنِي أَبْصَرْتُ مَوْتِي مِنَ النَّظَرِ
“مِرْآةُ الرُّوحِ”
(البحر الطويل )
✍️ بقلم الأديب الدكتور أحمد الموسوي
جميع الحقوق محفوظة للدكتور أحمد الموسوي
بتأريخ 04/03/2014
Time: 3pm

Leave a Reply