قِفَا نَسْأَلِ الْأَيَّامَ عَنْ سِرِّ وُجْهِهَا
فَمَا أَجْمَلَتْ إِلَّا مَرَارَةَ عَدَمِ
وَنَبْحَثُ فِي صَمْتِ الْمَجَرَّاتِ عَنْ صَدًى
فَيَرْجِعُ مِنْهَا الصَّمْتُ مَكْسُورَ أَلَمِ
أَتَيْنَا إِلَى الدُّنْيَا كَنَجْمٍ مُسَافِرٍ
فَعُدْنَا رَمَادًا فِي مَهَابَةِ مُنْعَدَمِ
وَمَا الْعُمْرُ إِلَّا دَمْعَةٌ فَوْقَ صَخْرَةٍ
تُفَتِّشُ عَنْ مَعْنًى بِمِحْرَابِ نَدَمِ
سَأَلْتُ اللَّيَالِي هَلْ لِقَلْبِيَ مَرْفَأٌ
فَقَالَتْ: مَرَافِي الْحُلْمِ أَبْعَدُ مِنْ حُلُمِ
وَقُلْتُ لِظِلِّي: أَيْنَ تَمْضِي إِذَا انْطَوَى
ضِيَاءُ خُطَانَا بَيْنَ أَسْوَارِ ظُلَمِ
فَقَالَ: أَنَا الْمَنْفِيُّ فِي خَلْفِ خَافِقٍ
إِذَا ضَاقَ بِالْأَسْرَارِ أَنْفَاسُ سَقَمِ
وَمَا كُنْتُ إِلَّا صَوْتَ نَايٍ مُشَرَّدٍ
يُحَاوِرُ فِي جُرْحِ الْمَسَافَاتِ نَغَمِ
تَسَاقَطَ مِنْ كَفِّي زَمَانٌ كَأَنَّهُ
حِبَالٌ مِنَ الْأَوْهَامِ فَوْقَ قَلَمِ
وَأَبْصَرْتُ فِي عَيْنِ الْمَنَايَا حَقِيقَةً
تُفَتِّتُ تِيجَانَ الْحَيَاةِ بِصَنَمِ
أَنَامُ عَلَى جُرْحِ السُّؤَالِ كَأَنَّمَا
يُوَسِّدُنِي صَوْتُ الْخَلَاءِ بِرِمَمِ
وَأَصْحُو كَأَنَّ الْكَوْنَ سَجْنٌ مُقَفَّلٌ
وَمِفْتَاحُهُ الْمَكْسُورُ فِي كَفِّ قِدَمِ
أُقَلِّبُ وَجْهَ الْغَيْبِ حَتَّى أَرَى بِهِ
مَلَامِحَ مَنْ مَاتُوا عَلَى حَافَةِ الْقِمَمِ
فَتَبْكِي الْمَرَايَا حِينَ تَلْمَحُ وَجْهَنَا
كَأَنَّا بَقَايَا الْبَدْءِ فِي حُزْنِ أُمَمِ
وَيَنْهَضُ فِي صَدْرِي سُؤَالٌ مُدَمَّرٌ
لِمَاذَا وُلِدْنَا فِي طَرِيقٍ إِلَى عُقَمِ
أَهَذِي حَيَاةٌ أَمْ قَنَادِيلُ حَيْرَةٍ
تُضِيءُ لَنَا الدَّرْبَ الْمُؤَدِّي إِلَى دَمِ
وَهَلْ نَحْنُ إِلَّا رِيشَةٌ فِي عَوَاصِفٍ
تُسَمِّي انْكِسَارَ الرُّوحِ فَلْسَفَةَ الْهِمَمِ
إِذَا ضَحِكَتْ فِينَا الْأَمَانِي تَهَاوَتْ
عَلَى شَفَةِ الْأَيَّامِ مَذْبُوحَةَ النِّعَمِ
وَإِنْ أَقْبَلَتْ شَمْسٌ رَأَيْنَا خُيُوطَهَا
كَأَكْفَانِ ضَوْءٍ فَوْقَ أَجْسَادِ شِيَمِ
تُعَلِّمُنَا الْأَحْزَانُ أَنَّ وُجُودَنَا
سِفَارٌ إِلَى الْمَجْهُولِ مَحْمُولُ تُهَمِ
وَأَنَّ الَّذِي يَبْقَى مِنَ الْمَرْءِ حُرْقَةٌ
وَسِرٌّ عَلَى شَفَتَيْنِ مَصْهُورُ حِمَمِ
وَأَنَّ الْقُلُوبَ الشَّاهِدَاتِ عَلَى الْأَسَى
تُقَاوِمُ مَوْتَ الْعُمْرِ بِالْحُلْمِ وَالدِّيَمِ
أُحَدِّثُ قَبْرَ الْأَمْسِ عَنْ نَبْضِ حَاضِرِي
فَيُجِيبُنِي: الْإِنْسَانُ مَوْلُودُ رُحَمِ
وَلَكِنَّهُ يَمْشِي عَلَى شَوْكِ حِكْمَةٍ
وَيَحْمِلُ فِي أَضْلَاعِهِ خَوْفَ حَرَمِ
يُفَتِّشُ عَنْ رَبٍّ لِيَفْهَمَ حُزْنَهُ
وَيَسْأَلُ عَنْ نَفْسٍ تَلَاشَتْ بِكَرَمِ
فَمَا كُلُّ مَنْ أَعْطَى الْحَيَاةَ فُؤَادَهُ
جَنَى غَيْرَ أَشْوَاكٍ وَآثَارِ وَسَمِ
وَمَا كُلُّ مَنْ صَلَّى لِوَجْهِ حَقِيقَةٍ
رَأَى غَيْرَ بَابٍ مُغْلَقٍ فَوْقَ سِلَمِ
تَغَرَّبْتُ عَنْ نَفْسِي فَصِرْتُ كَأَنَّنِي
دَلِيلٌ لِرَكْبٍ تَاهَ فِي صَحْوَةِ عَلَمِ
أُشِيرُ إِلَى دَرْبِ النَّجَاةِ وَإِنَّمَا
خُطَايَ عَلَى نَفْسِي تُؤَدِّي إِلَى خَدَمِ
وَكَمْ مِنْ نَبِيٍّ فِي ضَمِيرِيَ صَامِتٍ
يُرَتِّلُ فِي مَنْفَى الْحَقِيقَةِ وَجْعَ فَمِ
وَكَمْ مِنْ شَهِيدٍ فِي دَمِي كَانَ سَائِلًا
أَيُولَدُ مَعْنَى الرُّوحِ مِنْ صَرْخَةِ الدَّمِ
فَقُلْتُ: الَّذِي يَحْيَا بِلا وَجْعِ سَاعَةٍ
يَمُوتُ طَوِيلًا فِي مَتَاهَاتِ وَهَمِ
وَمَنْ لَمْ يُكَسِّرْ فِي ظَلَامِ وُجُودِهِ
مَرَايَا خُطَاهُ لَنْ يَرَى هَامَةَ الشَّمَمِ
أَرَى الْكَوْنَ طِفْلًا ضَائِعًا عِنْدَ أُمِّهِ
يُنَادِي، وَلَا صَوْتٌ يُرَدُّ مِنَ اللَّمَمِ
وَتَبْكِي السَّمَاوَاتُ الْبَعِيدَةُ حَوْلَهُ
كَمَا تَبْكِيَ الْأَطْفَالُ فِي حُضْنِ عُقَمِ
أَأَحْلَامُنَا نَبْضٌ يُخَادِعُ رُوحَنَا
أَمِ الرُّوحُ مَنفَى الْحُلْمِ فِي لَيْلِ عَدَمِ
أَأَفْرَاحُنَا بَرْقٌ يُضِيءُ قَلِيلَهُ
لِيَكْشِفَ أَنَّ النُّورَ مَجْزَرَةُ الظُّلَمِ
وَهَلْ كَانَ حُزْنِي غَايَةَ الْحِكْمَةِ الَّتِي
تُعَلِّمُ قَلْبِي أَنْ يَرَى نِعْمَةَ الأَلَمِ
تَرَكْتُ عَلَى بَابِ الْمَجَرَّةِ دَمْعَتِي
لِتَشْهَدَ أَنِّي مَا خَضَعْتُ لِمُتَّهَمِ
فَإِنْ ضَاعَ جِسْمِي فِي تُرَابِ نِهَايَتِي
فَإِنَّ صَدَى رُوحِي سَيَبْقَى عَلَى قَدَمِ
سَأَحْمِلُ فِي كَفِّي جَرِيحَةَ حِكْمَتِي
وَأَرْفَعُهَا فَوْقَ الْمَنَايَا كَعَلَمِ
وَأَقْسِمُ أَنْ لَا أَرْتَضِي الْمَوْتَ غَايَةً
وَلَوْ كَانَ فِي الْأَعْمَاقِ مَفْتَاحَ خَتَمِ
فَمَا الْمَوْتُ إِلَّا بَابُ ضَوْءٍ مُؤَجَّلٍ
يُمَرِّرُ أَسْرَارَ الْبَقَاءِ إِلَى نَسَمِ
وَمَا الْحُزْنُ إِلَّا مِرْآةُ الرُّوحِ حِينَ لَا
تَرَى غَيْرَ وَجْهِ اللهِ فِي عُمْقِ حَرَمِ
وَمَا الْحُبُّ إِلَّا أَنْ تُفَتِّشَ دَاخِلًا
عَنِ الْخَالِدِ الْمَخْبُوءِ فِي عَابِرِ اللَّحَمِ
فَكَمْ عَاشَ مَنْ مَاتُوا بِذِكْرَى وُجُوهِهِمْ
وَكَمْ مَاتَ مَنْ يَحْيَا بِأَسْمَاءِ خَدَمِ
إِذَا انْكَسَرَتْ فِينَا الْمَعَانِي تَجَمَّعَتْ
بِأَعْمَاقِنَا أَطْيَافُ أَحْلَامِ قِمَمِ
وَإِنْ أَظْلَمَتْ دُنْيَا الْبَصَائِرِ فِي الدُّجَى
تَوَقَّدَ فِي عَيْنِ الْمُكَابِرِ مُضْطَرَمِ
وَإِنْ قَالَتِ الْأَقْدَارُ: مَا أَنْتَ صَانِعٌ؟
قُلِ الرُّوحُ تَبْنِي فَوْقَ أَطْلَالِهَا رَغَمِ
وَإِنْ سَأَلَتْنِي الْأَرْضُ عَنْ مَعْنَى الْبُكَا
أَجَبْتُ: بُكَاءُ الْحُرِّ إِعْلَانُ قَسَمِ
سَأَبْقَى عَلَى جُرْحِ الْوُجُودِ مُرَابِطًا
أُفَسِّرُ لِلْأَحْيَاءِ أَسْرَارَ صَدَمِ
وَأَكْتُبُ فَوْقَ الرِّيحِ أَنَّ حَيَاتَنَا
حُرُوفٌ إِذَا مَا احْتَرَقَتْ صَارَتْ قِيَمِ
وَأَنَّ الطَّرِيقَ الْمُرَّ أَشْرَفُ مَنْزِلًا
إِذَا قَادَ قَلْبَ الْمَرْءِ مِنْ خَوْفِهِ لِعِظَمِ
وَأَنَّ الَّذِي يَفْنَى وَلَمْ يَتْرُكِ الْأَثَرْ
كَغُصْنٍ بِلَا ظِلٍّ وَكَالْوَعْدِ فِي عُدَمِ
فَلَا تَحْسَبُوا دَمْعِي ضَعِيفًا فَإِنَّهُ
يُفَجِّرُ فِي صَخْرِ النِّهَايَاتِ مُنْسَجِمِ
وَلَا تَحْسَبُوا صَمْتِي فَرَاغًا فَإِنَّهُ
كِتَابٌ مِنَ الْأَسْرَارِ مَخْتُومُ حِكَمِ
أَنَا آخِرُ الْمَعْنَى إِذَا ضَاعَ أَوَّلِي
وَأَوَّلُ دَمْعٍ فِي عُيُونِ الْمُتَّسِمِ
وَفِي كُلِّ قَلْبٍ مِحْنَةٌ لَوْ تَكَلَّمَتْ
لَخَرَّتْ لَهَا الْأَفْلَاكُ مِنْ هَوْلِ مَا كَتَمِ
وَمَا بَيْنَ مِيلَادِي وَقَبْرِي حِكَايَةٌ
تُفَسِّرُ أَنَّ الْخُلْدَ يُولَدُ مِنْ عَدَمِ
إِذَا سَأَلَتْنِي الرُّوحُ: مَنْ أَنْتَ بَعْدَمَا
تَفَتَّتَ وَجْهُ الْوَقْتِ؟ قُلْتُ: أَنَا الْأَلَمِ
وَقُلْتُ لِقَلْبِي حِينَ أَغْلَقَ بَابَهُ
سَتُفْتَحُ مِنْكَ الْكَوْنُ يَا آخِرَ الْحُلُمِ
فَإِنْ كَانَ هَذَا الْعُمْرُ دَمْعًا مُؤَجَّلًا
فَإِنِّي سَأَبْقَى فِي عُيُونِ الْوَرَى قِيَمِ
“سِرُّ الْوُجُودِ”
البحر: الطويل
✍️ بقلم الأديب الدكتور أحمد الموسوي
جميع الحقوق محفوظة للدكتور أحمد الموسوي
بتأريخ 04/08/2022
Time: 7pm

Leave a comment