“نَايُ الْمَهْدِ الْمَكْسُورِ”
(البحر الطويل)
أَمِنْ مَهْدِهِ الْخَالِي تَفَجَّرَتِ الرُّؤَى
وَغَارَتْ شُمُوسُ الْبَيْتِ فِي لَيْلٍ أَدْهَمِ
صَغِيرٌ تَوَارَى، لَا كَبِيرًا مُوَدِّعًا
وَلَكِنَّهُ أَمْضَى مِنَ السَّيْفِ فِي الدَّمِ
رَأَتْهُ أُمُّهُ فَجْرًا يُلَوِّحُ ضَاحِكًا
فَأَمْسَتْ تُنَاجِي الْفَجْرَ نَجْوَى الْمُتَيَّمِ
وَكَانَ أَبُوهُ، كُلَّمَا هَبَّ ذِكْرُهُ
يُخَبِّئُ بُرْكَانًا وَرَاءَ التَّحَكُّمِ
تَسَاءَلَ ثَوْبُ الطِّفْلِ أَيْنَ ذِرَاعُهُ
فَأَجْهَشَ دُولَابٌ بِصَمْتٍ مُحَرَّمِ
وَنَامَتْ لُعَيْبَاتٌ صِغَارٌ كَأَنَّهَا
جُنُودٌ تَبَكَّتْ عِنْدَ بَابٍ مُهَدَّمِ
إِذَا مَرَّ طَيْفُ الْمَهْدِ فِي جَنْبِ بَيْتِهِمْ
تَمَاوَجَ جُرْحُ الْقَلْبِ كَالْبَحْرِ مُظْلِمِ
وَمَا كَانَ إِلَّا نَبْضَةً فَوْقَ كَفِّهِمْ
فَصَارَ كِتَابَ الْحُزْنِ غَيْرَ الْمُعَلَّمِ
حَلِيبٌ عَلَى طَرْفِ الْقِنَانِي كَأَنَّهُ
دُمُوعٌ تَحَجَّرْنَ فِي صَدْرِ مُكْتَتِمِ
وَصَوْتُ أَذَانٍ فِي الْمَحَاجِرِ بَاقِيًا
يُرَتِّلُ آيَاتِ الرَّحِيلِ الْمُعَتَّمِ
تُحَاوِرُهُ الْأُمُّ الثَّكُولُ بِهَمْسِهَا
فَيَصْمُتُ حَتَّى الصَّمْتُ يَبْدُو كَمُتَّهَمِ
وَيَسْأَلُهُ الأَبُ الْحَزِينُ أَلِلرَّدَى
رَحًى تَطْحَنُ الأَرْوَاحَ دُونَ رَحِيمِ
فَيَا رَبِّ، إِنَّا لَا نُخَاصِمُ حُكْمَكَ
وَلَكِنَّ جُرْحَ الْوَالِدَيْنِ كَمُضْرَمِ
سَقَى اللهُ قَبْرًا ضَمَّ أَطْهَرَ بُرْعُمٍ
وَأَسْكَنَهُ بَيْنَ الضِّيَاءِ الْمُكَرَّمِ
لَقَدْ كَانَ عُمْرًا لَمْ يَطُلْ غَيْرَ لَمْحَةٍ
وَلَكِنَّهُ أَبْقَى الزَّمَانَ كَمَأْتَمِ
أَلَا أَيُّهَا الْمَهْدُ الْخَلِيُّ أَلَا انْطَوِ
فَكُلُّ صَبَاحٍ بَعْدَهُ غَيْرُ مُنْعِمِ
يَقُولُونَ مَاتَ الطِّفْلُ، قُلْتُ وَإِنَّمَا
تَكَسَّرَ مِفْتَاحُ الصَّبَاحِ الْمُرَنَّمِ
وَكُلُّ سَرِيرٍ بَعْدَهُ صَارَ شَاهِدًا
عَلَى بَيْتِ حُزْنٍ فِي الدُّمُوعِ مُخَيَّمِ
إِذَا نَادَيَا يَا بُنَيَّ، عَادَ صَدَاهُمَا
كَطِفْلٍ يُنَادِيهِمْ مِنَ الْغَيْبِ مُلْهَمِ
فَلَمْ يَيْتَمِ الطِّفْلُ الصَّغِيرُ بِغَيْبِهِ
وَلَكِنَّهُ أَبْقَى أَبَوَيْهِ فِي الْيُتْمِ
“نَايُ الْمَهْدِ الْمَكْسُورِ”
(البحر الطويل)
✍️ بقلم الأديب الدكتور احمد الموسوي
جميع الحقوق محفوظة للدكتور أحمد الموسوي
بتأريخ :06/05/2018
Time:9:pm

Leave a comment