“مِنْ عِيدِ أَبِي إِلَى يُتْمِ الْقَلَمِ”
أَبِي، حِينَ وَافَى الْعِيدُ قَامَتْ جَنَائِزِي
عَلَى بَابِ قَلْبِي، وَانْثَنَى صَوْتُهُ بِالدَّمِ
وَمَا الْعِيدُ إِلَّا أَنْ نَرَى الْبَابَ ضَاحِكًا
إِذَا عَادَ مِنْهُ النُّورُ مُخْضَلَّةَ الدِّيَمِ
هُنَا كُنْتَ تَمْشِي، وَالْبَنَاتُ كَأَنَّهَا
عَصَافِيرُ فَجْرٍ تَسْتَظِلُّ مِنَ الْحَرَمِ
وَبَنُوكَ إِذَا ضَاقَتْ بِهِمْ طُرُقُ الصِّبَا
رَأَوْا فِي يَدَيْكَ الْفَتْحَ أَعْلَى مِنَ الْقِمَمِ
إِذَا جَاعَ حُلْمُ الْبَيْتِ آثَرْتَ جُوعَهُ
وَصُغْتَ لَنَا مِنْ صَبْرِ كَفَّيْكَ ذَا كَرَمِ
وَإِنْ خَافَتِ الْبِنْتُ الصَّغِيرَةُ لَيْلَهَا
جَعَلْتَ لَهَا مِنْ صَوْتِكَ الْحَانِيَ الْعَصَمِ
وَكُنْتَ إِذَا مَالَ الزَّمَانُ بِظَهْرِنَا
أَقَمْتَ لَنَا مِنْ ثَابِتِ الصَّبْرِ مُعْتَصَمِ
وَمَا كُنْتَ تَحْمِي الدَّارَ بِالسَّيْفِ وَحْدَهُ
وَلَكِنْ بِخُلْقٍ كَانَ أَعْلَى مِنَ الْحُكْمِ
تُعَلِّمُنَا أَنَّ الرِّجَالَ مَوَاقِفٌ
وَأَنَّ حَنَانَ الْأَبِ أَوْفَى مِنَ الذِّمَمِ
فَلَمَّا مَضَيْتَ اسْتَيْقَظَ الْبَيْتُ بَارِدًا
كَأَنَّ السَّمَا أَلْقَتْ عَلَيْهِ يَدَ الْعَدَمِ
وَصَارَتْ كُرَاسِي الدَّارِ تَسْأَلُ وَحْدَهَا
عَنِ الصَّوْتِ، عَنْ كَفٍّ تُرَتِّبُهَا بِالزِّمَمِ
وَأُمِّي تُدَارِي فِي التَّبَسُّمِ كَسْرَهَا
وَتَحْمِلُ بَيْتًا مَائِلَ الرُّكْنِ بِالسَّأَمِ
وَفِي عِيدِكَ الْمَحْزُونِ تَبْكِي بَنَاتُكَ الْـ
ـهَدَايَا، فَتَغْدُو الْوَرْدُ مَنْقُوعَةَ النَّدَمِ
يُقَبِّلْنَ صُورَتَكَ الْقَدِيمَةَ، وَهْيَ لَا
تَرُدُّ عَلَيْهِنَّ السَّلَامَ سِوَى الصَّمَمِ
وَنَحْنُ بَنُوكَ الْيَوْمَ نَمْشِي كَأَنَّنَا
نُرَتِّبُ فِي أَضْلَاعِنَا صَدْعَ مُنْهَدِمِ
كَبِرْنَا، وَلَكِنَّ الطُّفُولَةَ بَعْدَكَ انْـ
ـطَوَتْ فِي حَنَايَانَا عَلَى جُرْحِ مُكْتَتِمِ
أَبِي، لَيْسَ مَنْ يَمْضِي إِلَى الْقَبْرِ غَائِبًا
إِذَا ظَلَّ يَحْمِي أَهْلَهُ بَعْدَما عُدِمِ
وَلَكِنَّنَا نَبْكِي، لِأَنَّكَ بَيْنَنَا
حُضُورٌ أَضَاءَ الْغَيْبَ مِنْ آخِرِ الظُّلَمِ
لَقَدْ كُنْتَ فِي الدُّنْيَا أَبًا، ثُمَّ صِرْتَ فِي
غِيَابِكَ مِيزَانَ الْوَفَاءِ لِكُلِّ قَسَمِ
فَلَا عِيدَ بَعْدَ الْيَوْمِ إِلَّا حِكَايَةٌ
أَبٌ غَابَ حَتَّى صَارَ عِيدًا لِلْقَلَمِ
(البحر الطويل)
“مِنْ عِيدِ أَبِي إِلَى يُتْمِ الْقَلَمِ”
✍️بقلم الأديب الدكتور احمد الموسوي
جميع الحقوق محفوظة للأديب الدكتور احمد الموسوي
بتأريخ :05/06/2020
Time:4pm

Leave a comment