“الثقافة المزيّفة”

حين يتكلّم الفراغ بصوتٍ عالٍ في زمنٍ أصبحت فيه الألقاب تُمنح بسهولة، والكلمات الكبيرة تُقال بلا حساب، ظهر نوع غريب من الناس يظن أن الثقافة مظهر، وأن الأدب مجموعة عبارات منمقة، وأن الأخلاق خطب طويلة يرددها أمام الآخرين. يتحدث أحدهم عن الفكر والوعي والإنسانية، وربما يضع إلى جانب اسمه صفات كثيرة، لكنك ما إن تناقشه في جملة أدبية واحدة، أو تسأله عن معنى فكرة كتبها، حتى تكتشف أن خلف ذلك الضجيج فراغًا واسعًا لا تستره الكلمات. الثقافة الحقيقية لا تحتاج إلى إعلان دائم، لأن أثرها يظهر في طريقة الكلام، وفي احترام الناس، وفي القدرة على الاستماع قبل إصدار الأحكام. فالمثقف لا يُعرف بكثرة ما يقوله عن نفسه، بل بما يقدمه من فهم، وبقدرته على التعامل مع الرأي المخالف دون شتيمة أو تعالٍ. أما من يظل يكرر أنه مثقف وأديب وصاحب أخلاق، فإنه غالبًا يحاول إقناع نفسه قبل أن يقنع الآخرين. إننا نرى اليوم أشخاصًا يتحدثون عن الأخلاق، بينما لا يظهر من أخلاقهم شيء عند أول اختلاف. يكتبون عن المحبة، ثم يزرعون الكراهية، ويدعون إلى التواضع، بينما ينظرون إلى الآخرين من مكان متعالٍ. وكأن الأخلاق عندهم كلمات مخصصة للنشر، لا مبادئ تُختبر في المواقف. فالإنسان لا يكون خلوقًا لأنه كتب عن الأخلاق، بل لأنه التزم بها حين غضب، وأنصف غيره حين اختلف معه، وحفظ كرامة من هو أضعف منه. وأصحاب هذه الثقافة المزيّفة ليسوا صنفًا واحدًا. فمنهم المتعلم الذي حصل على شهادة، أو قرأ بعض الكتب، ثم ظن أن ما تعلمه يمنحه الحق في الحديث في كل شيء. وقد تكون لديه معلومات، لكنه يفتقر إلى الخبرة والنضج واتساع الرؤية. إنه يعرف بعض المصطلحات، لكنه لا يعرف متى يستخدمها، ويحفظ الكلام، لكنه لا يستطيع فهم روحه أو مناقشة معناه. هذا المتعلم يخلط بين الشهادة والثقافة، مع أن الفرق بينهما كبير. فالشهادة قد تثبت أن الإنسان اجتاز مرحلة دراسية، لكنها لا تثبت بالضرورة أنه أصبح صاحب فكر أو خلق أو حكمة. قد يحمل الإنسان أعلى المؤهلات، ومع ذلك يبقى عاجزًا عن الحوار، ضيق الأفق، سريع الغضب، متعاليًا على من حوله. فالعلم الذي لا يهذب صاحبه قد يزيده غرورًا، والمعرفة التي لا تتحول إلى سلوك تبقى معلومات باردة لا قيمة إنسانية لها. وليس عيبًا أن تكون معرفة الإنسان محدودة، فجميع البشر يجهلون أشياء كثيرة. لكن العيب أن يتحدث المرء في كل مجال وكأنه المرجع الوحيد فيه، وأن يرفض الاعتراف بخطئه أو نقص معرفته. فالمتعلم الحقيقي كلما قرأ أكثر، أدرك أن أبواب المعرفة لا تنتهي، ولهذا يصبح أكثر تواضعًا. أما صاحب الثقافة السطحية، فما إن يتعلم شيئًا قليلًا حتى يعتقد أنه عرف كل شيء. أما الصنف الثاني، فهو أشد خطورة؛ لأنه جاهل، لكنه لا يدرك أنه جاهل. يعيش في وهمٍ كبير يصوره لنفسه ملكًا للأرض وما عليها، ويرى أن رأيه لا يُناقش، وأن الآخرين أقل منه فهمًا ومكانة. لا يملك معرفة حقيقية ولا تجربة عميقة، لكنه يتكلم بثقة قد تخدع من لا يعرفه. هذا الصنف لا يدخل الحوار من أجل أن يتعلم، بل يدخل لكي ينتصر. لا يستمع إلى الآخرين، لأنه يظن أن الاستماع اعتراف بالنقص، ولا يعترف بخطئه، لأنه يرى التراجع هزيمة. وإذا عجز عن الرد بالحجة، لجأ إلى السخرية والتجريح ورفع الصوت. فهو لا يناقش الفكرة، بل يهاجم صاحبها، ولا يقدم دليلًا، بل يقدم نفسه بوصفه الدليل والحقيقة والمرجع. والمشكلة في هذا الإنسان ليست أنه لا يعرف، بل أنه أغلق الباب أمام المعرفة. فالجاهل الذي يعترف بجهله يمكن أن يتعلم، أما الجاهل الذي يتوهم أنه عالم، فلا يرى سببًا للقراءة أو السؤال. إنه أسير لصورة ضخمة صنعها عن نفسه، ويطالب الناس بأن يعاملوه على أساسها. وقد ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي على ظهور هؤلاء بصورة أكبر. فالمجال أصبح مفتوحًا أمام كل شخص ليكتب ويتحدث ويمنح نفسه ما يشاء من الألقاب. وأصبح بعضهم ينسخ كلمات الآخرين، أو يجمع اقتباسات لا يفهمها، ثم يظهر أمام الناس بصفة المفكر أو الأديب. وقد يحصل على كثير من الإعجابات، فيظن أن التفاعل دليل على العمق، وأن الشهرة تعني الثقافة. لكن كثرة المتابعين لا تصنع مثقفًا، وكثرة المنشورات لا تصنع أديبًا، وكثرة الألقاب لا تمنح الإنسان قيمة حقيقية. فالقيمة تُبنى بالعمل والمعرفة والأثر الطيب، لا بالصورة التي يحاول الإنسان رسمها لنفسه. وقد يكون شخص قليل الظهور أكثر علمًا وأدبًا من آخر يملأ الصفحات بكلامه، لأن الثقافة ليست مسابقة في الضجيج. الأدب الحقيقي لا يقتصر على كتابة قصيدة أو خاطرة، بل هو حس إنساني وقدرة على فهم النفس والحياة. ومن لا يحترم الإنسان لا يمكن أن يدعي فهم الأدب، لأن الأدب في جوهره دفاع عن الإنسان وكرامته ومشاعره. ومن لا يعرف معنى الرحمة والإنصاف، لن تنفعه الكلمات المنمقة مهما كانت جميلة. إن المثقف الحقيقي لا يحتاج إلى أن يقول للناس في كل مناسبة: أنا مثقف. كما أن الشجرة المثمرة لا تصرخ لتخبر العابرين بثمارها. يكفي أن يقتربوا منها حتى يروا ما تحمل. أما الشجرة اليابسة، فقد تحتاج إلى كثير من الزينة لتخفي خواءها. الثقافة ليست تاجًا يضعه الإنسان فوق رأسه لينظر من خلاله إلى الناس باحتقار، بل مسؤولية تجعله أكثر تواضعًا وإنصافًا. وكلما اتسع عقل الإنسان، اتسع صدره للاختلاف، وكلما نضجت معرفته، قلَّت رغبته في الاستعراض. ويبقى الفرق واضحًا بين من يقرأ ليفهم، ومن يقرأ ليقال عنه إنه قارئ، وبين من يكتب ليقدم فكرة، ومن يكتب ليبحث عن التصفيق، وبين من يحمل الأخلاق في سلوكه، ومن يحملها شعارًا على صفحته. الثقافة الحقيقية هدوء وعمق ومسؤولية، أما الثقافة المزيّفة فهي ضجيج وثقة فارغة وألقاب لا يسندها إنجاز. وأخطر الناس ليس من يجهل، بل من يجهل ويظن أنه أعلم الناس، ثم ينصب لنفسه عرشًا وهميًا، ويتعامل مع الآخرين وكأنه ملك الأرض وما عليها.

✍️بقلم الأستاذ الدكتور أحمد الموسوي

جميع الحقوق محفوظة للأديب الدكتور احمد الموسوي 

بتأريخ :١٨/٠٦/٢٠٢٦

الوقت:٧صباحا

Screenshot

Leave a comment