“مَرْثِيَّةُ الأَخِ الَّذِي لَا يَغِيبُ”
أَخِي، يَوْمَ وَارَيْنَاكَ فِي التُّرْبِ أَظْلَمَتْ
جِهَاتِي، وَضَاعَ النُّورُ بَيْنَ ظَلَامِي
وَمَا كَانَ نَعْشُكَ خَشَبَةً فَوْقَ أَكْتُفٍ
وَلَكِنَّهُ عُمْرِي يُشَالُ أَمَامِي
وَأُمِّي وَرَاءَ النَّعْشِ تَبْكِي كَأَنَّهَا
تُشَيِّعُ مِنْ بَعْدِ ابْنِهَا كُلَّ أَحْلَامِي
وَأَبْصَرْتُ عَيْنَ الْوَالِدِ الشَّيْخِ صَخْرَةً
تَذُوبُ، فَيَبْكِي الصَّخْرُ دُونَ كَلَامِي
دَخَلْتُ إِلَى بَيْتٍ تَنَكَّرَ بَعْدَهُ
فَلَا الْبَابُ بَابِي، لَا الْمَمَرُّ مَقَامِي
وَكُرْسِيُّكَ الْمَتْرُوكُ أَطْرَقَ وَحْدَهُ
كَأَنَّ لَهُ قَلْبًا يُرَدِّدُ سَلَامِي
وَثَوْبُكَ فِي الدُّولَابِ مَا زَالَ دَافِئًا
كَأَنَّكَ لَمْ تَرْحَلْ سِوَى عَنْ عِظَامِي
أُقَبِّلُهُ سِرًّا، فَتَهْرُبُ دَمْعَتِي
وَيَفْضَحُنِي عِطْرٌ تَخَبَّأَ فِي لِثَامِي
أَخِي، كُنْتَ لِي وَقْتَ الْمَخَاوِفِ رَايَةً
إِذَا انْكَسَرَتْ رُوحِي حَمَيْتَ مَقَامِي
وَكُنْتَ إِذَا ضَاقَتْ بِنَا الْأَرْضُ مَرَّةً
تَصُبُّ عَلَى صَخْرِ الْهُمُومِ غَمَامِي
فَلَمَّا مَضَيْتَ انْفَكَّ عِقْدُ سَكِينَتِي
وَصَارَتْ خُطَايَ الْيَوْمَ تَبْكِي زِمَامِي
أُنَادِيكَ فِي لَيْلِي، فَيَرْجِعُ صَوْتُنَا
يَتِيمًا كَطِفْلٍ ضَلَّ بَيْنَ رُكَامِي
وَأَحْفَظُ مِنْ ضَحْكَاتِكَ الْبِيضِ جَمْرَةً
إِذَا مَسَّهَا التَّذْكَارُ أَحْرَقَ أَنْغَامِي
أَخِي، مَا بَكَيْتُ الْقَبْرَ؛ إِنِّي بَكَيْتُ مَنْ
بِهِ كُنْتُ أَقْرَأُ فِي الْحَيَاةِ نِظَامِي
لَقَدْ كُنْتَ ظِلِّي حِينَ تَقْسُو مَدَارِبِي
فَكَيْفَ أُقِيمُ الْآنَ نِصْفَ قِيَامِي
أُخَادِعُ إِخْوَانِي الصِّغَارَ بِبَسْمَةٍ
وَفِي دَاخِلِي تَنْهَدُّ أَلْفُ خِيَامِي
وَأَحْنُو عَلَى أُمِّي وَأَكْتُمُ لَوْعَتِي
فَتَقْرَأُ مِنْ صَمْتِي عَنِيفَ احْتِدَامِي
إِذَا قَالَ لِي النَّاسُ: اصْطَبِرْ، قُلْتُ: صَبْرُنَا
يُوَارِي بُكَائِي فِي رِدَاءِ ابْتِسَامِي
سَأَبْقَى عَلَى عَهْدِ الْأُخُوَّةِ حَارِسًا
لِمَا كَانَ مِنْ دَفْءٍ وَصِدْقِ وِئَامِي
وَقَالُوا: دَفَنْتُمْ وَاحِدًا؛ قُلْتُ: إِنَّكُمْ
دَفَنْتُمْ بِهِ قَلْبِي، وَأَبْقَيْتُمْ حُطَامِي
“مَرْثِيَّةُ الأَخِ الَّذِي لَا يَغِيبُ”
(البحر الطويل)
✍️بقلم الأديب الدكتور احمد الموسوي
جميع الحقوق محفوظة للأديب الدكتور احمد الموسوي
بتأريخ :06/02/2020
Time:7pm

Leave a comment