“قِنَاعُ الْجَهْلِ”
إِذَا صَعِدَ الْأَعْمَى إِلَى عَرْشِ وَهْمِهِ
تَخَيَّلَ أَنَّ الشَّمْسَ تُوقَدُ مِنْ حَجَرِ
وَمَنْ لَمْ يَذُقْ عِلْمًا تَزَيَّا بِرَأْيِهِ
وَسَمَّى صَدَى أَوْهَامِهِ حِكْمَةَ الْبَشَرِ
يُجَادِلُ حَتَّى لَوْ أَتَتْهُ بَرَاهِنٌ
كَأَنَّ الْبَرَاهِينَ اسْتَحَالَتْ إِلَى مَطَرِ
وَفِي صَدْرِهِ حِقْدٌ عَلَى غَيْرِ جَانِيٍ
كَنَارٍ تُفَتِّشُ فِي النَّدَى عَنْ شَرَرِ
أَتَيْتُهُ صَفْوًا، لَا سِهَامًا وَلَا أَذًى
فَصَاغَ لِظِلِّي مِصْيَدَاتٍ مِنَ الْحَذَرِ
وَقُلْتُ سَلَامًا، فَاسْتَثَارَ ضَغِينَةً
كَأَنَّ سَلَامَ الرُّوحِ نَاقُوسُهُ السَّهَرِ
زَمَانٌ بِهِ تُزَفُّ الرَّاقِصَاتُ إِلَى الذُّرَى
وَيُطْرَدُ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ مَجْلِسِ الدُّرَرِ
وَتُرْفَعُ أَصْوَاتُ الْفَرَاغِ عَلَى الْعُلَا
وَيُطْوَى كِتَابُ الْعَارِفِينَ عَلَى كَدَرِ
إِذَا صَاحَ مَخْدُوعٌ بِجَهْلٍ تَزَاحَمُوا
وَإِنْ نَطَقَ الْحُرُّ الْحَكِيمُ فَلَا خَبَرِ
وَكَمْ مِنْ عَفِيفِ الْقَلْبِ أَغْرَقَهُ الْأَذَى
وَلَا ذَنْبَ إِلَّا أَنَّهُ شَامِخُ الْقَدَرِ
وَكَمْ عَالِمٍ أَخْفَى النُّجُومَ بِقَلْبِهِ
فَضَاعَ كَحَرْفٍ بَيْنَ طَبْلٍ وَوَتَرِ
وَكَمْ رَاقِصٍ أَلْقَى لِظِلَّيْهِ ضَحْكَةً
فَصَارَ لَدَى الْجَمْعِ الْمُضَلَّلِ ذَا نَظَرِ
أَتَحْقِدُ مِنْ لَا ذَنْبَ فِيهِ وَإِنَّمَا
يُذَكِّرُكَ الإِنْسَانُ مَا ضَاعَ مِنْ أَثَرِ
أَتَحْسَبُ أَنَّ الْحِقْدَ يَرْفَعُ قَامَةً
وَمَا هُوَ إِلَّا طِينُ وَجْهٍ بِلَا عِبَرِ
وَأَغْبَى الْوَرَى مَنْ ظَنَّ أَنَّ انْطِفَاءَهُ
دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّمَاءَ بِلَا قَمَرِ
إِذَا حَارَبَ الْمِسْكِينُ ضَوْءَ بَصِيرَةٍ
رَأَى فِي عُيُونِ الْفَجْرِ مَقْبَرَةَ الصُّوَرِ
وَمَا ضَرَّ شَمْسًا أَنْ يُسَمِّي شُعَاعَهَا
غَبِيٌّ سَوَادًا فِي هَوَامِشِ السُّوَرِ
سَيَمْضِي ضَجِيجُ الزَّائِفِينَ كَغَيْمَةٍ
وَيَبْقَى دَلِيلُ الْعَارِفِينَ عَلَى السَّفَرِ
وَإِنْ عَاقَبُوا عِلْمًا بِمَجْدِ رَقِيصَةٍ
فَذَاكَ عَلَى وَجْهِ الْقُرُونِ هُوَ الْوَزَرِ
وَمَا كُنْتُ خَصْمًا، إِنَّمَا كُنْتُ مِرْآةً
فَلَمَّا رَأَوْا أَنْفُسَهُمْ ضَاقَ الْمَفَرِ
(البحر الطويل)
“قِنَاعُ الْجَهْلِ”
✍️بقلم الأديب الدكتور احمد الموسوي
جميع الحقوق محفوظة للأديب الدكتور احمد الموسوي
بتأريخ 06/06/2026
Time:5pm

Leave a comment