“أَتَى الْفَقْدُ”
أَتَى الْفَقْدُ يَمْشِي فِي الدِّيَارِ وَلَمْ نَدْرِ
فَصَارَتْ عُيُونُ الْبَيْتِ يَسْكُنُهَا الظَّلَامُ
وَمَا غَابَ أَهْلِي دَفْعَةً حِينَ وَارَاهُمُ
ثَرًى، بَلْ تَنَاهَوْا فِي دَمِي وَهُمُ الْحِمَامُ
تَسَاقَطَ مِنْ عُمْرِي الَّذِينَ أُحِبُّهُمْ
كَمَا يَنْحَنِي فَوْقَ الْمَقَابِرِ غَمَامُ
أُنَادِيهِمُ وَاللَّيْلُ يُصْغِي كَأَنَّهُ
أَبٌ فَقَدَ الْأَبْنَاءَ وَانْكَسَرَ السَّلَامُ
وَأَسْمَعُ فِي جُدْرَانِ دَارِي حَدِيثَهُمْ
فَتَبْكِي عَلَى أَعْتَابِ ذِكْرَاهُمُ الْكَلَامُ
مَضَى الزَّمَنُ الْخَافِي عَلَيْنَا كَسَارِقٍ
يُغَطِّي يَدَ الْأَيَّامِ عَنْهَا اللِّثَامُ
وَكُنَّا نَظُنُّ الْعُمْرَ بَاقٍ بِقُرْبِهِمْ
فَإِذْ بِالْحَنَايَا بَعْدَهُمْ وَهْيَ الرُّكَامُ
تُفَتِّشُ كَفِّي عَنْ يَدٍ كَانَ دِفْؤُهَا
إِذَا ضَاقَ صَدْرِي وَاسْتَبَدَّ الزِّحَامُ
فَلَا الْبَابُ يَدْرِي مَنْ تَغَيَّبَ عَنْ صَدَاهُ
وَلَا الشَّايُ يَدْرِي كَيْفَ غَابَ الأَنَامُ
وَكُلُّ مَكَانٍ كَانَ يَضْحَكُ صَوْتُهُمْ
عَلَيْهِ انْطِفَاءٌ لَا يُرَمِّمُهُ النِّظَامُ
أُقَلِّبُ فِي صُورِ الْمَحَبَّةِ وَجْهَهُمْ
فَيَرْجِعُ مِنْ تَحْتِ الْغُبَارِ الْمَقَامُ
كَأَنَّ الَّذِينَ ارْتَاحَ قَلْبِي بِقُرْبِهِمْ
عِمَادٌ، فَلَمَّا زَالَ، أَوْجَعَتِ الْعِظَامُ
وَأَمْشِي إِلَى أَيَّامِهِمْ كُلَّ لَيْلَةٍ
فَتَرْجِعُ مِنْ بَابِ التَّذَكُّرِ سِهَامُ
وَمَا أَقْسَى أَنْ يَحْيَا الْفَتَى بَعْدَ أَهْلِهِ
وَفِي كُلِّ رُكْنٍ مِنْ حَنِينِهِ حُطَامُ
أَرَى الضَّحِكَاتِ الْبِيضَ صَارَتْ مَنَادِبًا
وَصَارَتْ جِرَاحُ الرُّوحِ فِيهَا سَقَامُ
إِذَا مَرَّ طَيْفُ الْأُمِّ فِي خَافِقِي بَكَى
وَشَبَّ بِصَمْتِ الْقَلْبِ مِنْهَا ضِرَامُ
وَإِنْ مَرَّ طَيْفُ الأَبِّ قَامَتْ مَهَابَةٌ
تُعَلِّمُنِي أَنَّ الْوَفَاءَ ذِمَامُ
سَأَحْمِلُهُمْ فِي الصَّدْرِ لَا كَتَمَائِمٍ
وَلَكِنْ كَنُورٍ لَا يُبَاعُ وَوِسَامُ
فَمَا مَاتَ مَنْ صَارَتْ مَحَبَّتُهُ دَمًا
وَمَا ضَاعَ مَنْ أَبْقَتْهُ فِينَا الْأَرْحَامُ
إِذَا قِيلَ مَنْ أَبْكَاكَ؟ قُلْتُ: أَحِبَّتِي
رَحَلْنَا وَمَا دَرَّتْ بِرِحْلَتِنَا الْخِتَامُ
(البحر الطويل)
“أَتَى الْفَقْدُ”
✍️بقلم الأديب الدكتور احمد الموسوي
جميع الحقوق محفوظة للأديب الدكتور احمد الموسوي
بتأريخ :09/04/2022
Time:7pm

Leave a comment