وَتَرُ الْفِرَاقِ

أَيَا قَلْبُ لَا تَسْأَلْ عَنِ الْبُعْدِ مَا جَرَى

فَقَدْ صَارَ حَتَّى الصَّمْتُ فِي صَدْرِيَ الْجَمْرَا

وَفِي كُلِّ دَرْبٍ كُنْتُ أَمْشِي بِذِكْرِهَا

أَرَى خُطْوَتِي تَبْنِي عَلَى وَحْدَتِيَ الْقَبْرَا

رَحَلْتِ، فَلَمْ تَرْحَلْ مَلَامِحُكِ الَّتِي

تُفَتِّشُ فِي عَيْنِيَّ عَنْ وَطَنٍ انْكَسَرَا

وَكُنْتِ إِذَا مَا اللَّيْلُ أَغْلَقَ بَابَهُ

تَصِيرِينَ فِي رُوحِي لِمَنْفَايَةٍ فَجْرَا

تَرَكْتِ عَلَى كَفِّي مِنَ الْوُدِّ رَعْشَةً

إِذَا مَا لَمَسْتُ الْمَاءَ أَشْعَلْتُهُ نَارَا

وَمَا كَانَ دَمْعِي حِينَ أَدْرَكْتُ بُعْدَكُمْ

سِوَى غَيْمَةٍ ضَاقَتْ بِأَحْشَائِهَا مَطَرَا

سَأَلْتُ الرُّبَى عَنْكِ، فَلَمْ تُعْطِنِي سِوَى

صَدَى قَدَمٍ يَبْكِي وَيَخْتَزِنُ السَّفَرَا

وَقُلْتُ لِقَلْبِي: كَيْفَ تَنْجُو مِنَ النَّوَى؟

فَقَالَ: إِذَا صَارَ الْفِرَاقُ لَنَا قَدَرَا

لَقَدْ كُنْتِ فِي أَيَّامِنَا سِرَّ نَخْلَةٍ

إِذَا هَزَّهَا حُزْنِي أَعَادَتْ لِيَ الثَّمَرَا

فَلَمَّا انْطَوَى ذَاكَ الْحَنِينُ بِغَيْبَةٍ

تَعَلَّمَتِ الْأَغْصَانُ أَنْ تَحْمِلَ الْحَجَرَا

أُحَدِّثُ طَيْفًا لَا يُجِيبُ، كَأَنَّنِي

أُعَلِّمُ هَذَا الْكَوْنَ مِنْ بَعْدِكِ الصَّبْرَا

وَأَكْتُبُ أَسْمَاءَ الْمَوَاعِيدِ فِي الدُّجَى

فَتَمْحُوهَا رِيحٌ، وَتُبْقِي عَلَيَّ الْأَثَرَا

أَيَا وَجَعًا يَمْشِي عَلَى حَافَةِ الدَّمِ

تَرَفَّقْ، فَإِنَّ الْحُبَّ قَدْ أَتْعَبَ الْوَتَرَا

أَخَافُ عَلَى ذِكْرَاكِ مِنْ كَثْرَةِ الْبُكَا

كَأَنَّ دُمُوعِي إِنْ تَمَادَتْ مَحَتْ عُمْرَا

وَلَكِنَّنِي أُخْفِي انْهِزَامِي بِبَسْمَةٍ

لِئَلَّا يَرَى النَّاسُ الَّذِي فِي دَمِي انْشَطَرَا

إِذَا قِيلَ: هَلْ تَنْسَى؟ أَجَبْتُ وَفِي فَمِي

رَمَادٌ يُرَبِّي فِي حُرُوفِي لَهُ شَرَرَا

فَمَا النَّسْيُ إِلَّا أَنْ نُسَمِّي انْكِسَارَنَا

سَلَامًا، وَنَطْوِي فِي الضُّلُوعِ لَهُ الْخَبَرَا

وَمَا أَقْسَى أَنْ يَبْقَى الْحَبِيبُ بِدَاخِلٍ

وَيَصْبِحَ مَنْ فِي خَارِجِ الرُّوحِ مُنْتَظَرَا

فَإِنْ عُدْتِ يَوْمًا، لَا تَقُولِي: رَجَعْتُ لَهُ

فَإِنِّي بِبَابِ الْأَمْسِ مَا زِلْتُ مُنْحَدِرَا

وَلَمْ أَدْرِ أَنِّي حِينَ شَيَّعْتُ خُطْوَكُمْ

دَفَنْتُ الَّذِي كُنْتُ، وَأَبْقَيْتُكُمْ عُمْرَا

“وتر الغياب”

(البحر الطويل)

✍️ بقلم الأديب الدكتور أحمد الموسوي

جميع الحقوق محفوظة للدكتور أحمد الموسوي

بتأريخ 12/03/2020

Screenshot

Leave a comment