رَصِيفُ الْغِيَابِ
أَتَانِيَ طَيْفٌ مِنْكِ وَاللَّيْلُ شَاحِبٌ
فَأَوْقَدَ فِي صَدْرِي رَصِيفَ الدَّجِيِّ
وَكُنْتُ عَلَى بَابِ الْمَحَطَّةِ وَاقِفًا
أُفَتِّشُ فِي الأَصْوَاتِ عَنْ صَوْتِكِ الْقَصِيِّ
حَمَلْتُ لَكِ الْوَرْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَنَا
فَأَذْبَلَهُ التَّرْحَالُ فِي كَفِّيَ الطَّرِيِّ
وَجَاءَ الْقِطَارُ الْمُرُّ يَزْحَفُ مُثْقَلًا
كَأَنَّ لَهُ قَلْبًا مِنَ النَّعْيِ خَفِيِّ
نَزَلْنَ النِّسَاءُ الْمُتْعَبَاتُ وَلَمْ تَجِي
فَظَلَّ اسْمُكِ الْمَحْفُورُ فِي فَمِيَ الشَّجِيِّ
وَسَلَّمَنِي شَيْخٌ حَقِيبَتَكِ الَّتِي
تَضُمُّ انْكِسَارَ الْعُمْرِ فِي الصَّمْتِ حَيِيِّ
وَفِي جَيْبِهَا خَاتَمُ الْوَعْدِ سَاكِنٌ
يَلُفُّ عَلَيْهِ الْحُزْنُ مِنْ وَجَعٍ سَرِيِّ
وَرِسَالَتُكِ الْبَيْضَاءُ كَانَتْ صَغِيرَةً
وَلَكِنَّهَا أَثْقَلُ مِنْ جَبَلٍ عَلِيِّ
كَتَبْتِ: مَرِضْتُ، وَالْوِدَاعُ يُمِيتُنِي
فَخِفْتُ عَلَى عَيْنَيْكَ مِنْ جُرْحِهَا الدَّمِيِّ
وَإِنِّي رَأَيْتُ الْمَوْتَ أَرْحَمَ مَرَّةً
إِذَا صَارَ حُبِّي عِلَّةَ الْقَلْبِ النَّقِيِّ
فَلَا تَنْتَظِرْنِي عِنْدَ بَابِ قِطَارِنَا
فَقَدْ صِرْتُ فِي وَجْهِ السَّمَاءِ الْبَهِيِّ
إِذَا مَرَّ عُصْفُورٌ عَلَى النَّافِذَاتِ قُلْ
سَلَامٌ عَلَى مَنْ كَانَ كَالضَّوْءِ زَكِيِّ
قَرَأْتُ، فَخَرَّ الْوَرْدُ مِنْ يَدِيَ الَّتِي
تَعَلَّمَتِ الإِمْسَاكَ بِالْوَعْدِ وَفِيِّ
وَنَادَيْتُكِ اسْمًا فَارْتَدَى السِّكَّةَ الْبُكَا
وَضَاقَ عَلَى صَدْرِ الْحَدِيدِ صَدَى عَيِيِّ
وَصِرْتُ أُحَدِّثُ مَقْعَدًا كَانَ خَالِيًا
كَأَنَّ لَهُ سِرًّا مِنَ الْعُمْرِ غَنِيِّ
وَمَا عُدْتُ أَدْرِي: هَلْ رَحَلْتِ بِجِسْمِكِ
أَمِ الْقَلْبُ مِنِّي رَاحَ فِي الرَّكْبِ أَبِيِّ
تَقَاسَمْتُ مَعْ طِفْلٍ بَقَايَا سُكُوتِنَا
فَأَعْطَانِيَ الدَّمْعَ الْبَرِيءَ النَّدِيِّ
وَفِي كُلِّ عَامٍ عِنْدَ نَفْسِ رَصِيفِنَا
أُعَلِّقُ فَوْقَ الرِّيحِ مِندِيلَكِ الصَّفِيِّ
فَيَسْأَلُنِي الْحُرَّاسُ: مَنْ أَنْتَ هَا هُنَا؟
فَأَقُولُ: بَقِيَّةُ وَعْدِهَا الأَبَدِيِّ
ظَنَنْتُ رَحِيلَ الْجِسْمِ خَتْمَ حِكَايَتِي
فَإِذْ أَنْتِ فِيَّ الْحَيُّ، وَالْمَيْتُ ظِلِّي
“رَصِيفُ الْغِيَابِ”
(البحر الطويل)
✍️ بقلم الأديب الدكتور احمد الموسوي جميع الحقوق محفوظة للأديب الدكتور احمد الموسوي
بِتَأْرِيخِ 08/11/2022
Time: 8pm

Leave a comment