أَتَتْنِي عُيُونٌ مِنْ بَعِيدٍ فَأَخْبَرَتْ

بِأَنَّ جِرَاحَ اللَّيْلِ تُشْفَى مِنَ السِّحْرِ

فَقُلْتُ لَهَا: هَلْ فِي جُفُونِكِ مَرْفَأٌ؟

فَقَالَتْ: مَنِ اسْتَسْقَى عُيُونِي رَأَى الجَمْرِ

فَقُلْتُ لَهَا: مَا الصَّمْتُ؟ قَالَتْ: رِسَالَةٌ

إِذَا ضَاقَ فَمُ العُشَّاقِ فَاضَتْ مِنَ الصَّدْرِ

وَأَطْرَقْتُ حَتَّى صَارَ صَوْتِي جَزِيرَةً

تُنَاجِي سَفِينَاتِ الدُّمُوعِ إِلَى الفَجْرِ

فَقَالَتْ: عُيُونِي لَيْسَ فِيهِنَّ مَوْعِدٌ

وَلَكِنَّهَا تَبْكِي عَلَى شَاطِئِ البَحْرِ

فَقُلْتُ: أَرَاكِ الآنَ أَقْرَبَ مِنْ دَمِي

وَأَبْعَدَ مِنْ صَوْتِ الطُّيُورِ عَنِ العُمْرِ

فَمَالَتْ وَقَالَتْ: لَا تُفَسِّرْ دُمُوعَنَا

فَكَمْ نَبْضَةٍ تَخْتَارُ مَنْفَاهَا فِي الصَّبْرِ

رَأَيْتُ بِهَا لَيْلًا يُرَبِّي نُجُومَهُ

وَيَطْحَنُ أَحْلَامَ الغَرِيبِ عَلَى العِطْرِ

فَقَالَتْ: أَتُدْرِي؟ كُلُّ عَيْنٍ أَحَبَّهَا

تُعَلِّمُ قَلْبَ المُنْكَسِرْ مَنْطِقَ الشِّعْرِ

فَقُلْتُ: وَمَا قَلْبِي؟ فَقَالَتْ: حَدِيقَةٌ

إِذَا احْتَرَقَتْ أَوْرَاقُهَا أَنْبَتَتِ الدَّهْرِ

وَمَا الحُبُّ إِلَّا نَايُ جُرْحٍ إِذَا بَكَى

تَعَلَّمَتِ الأَحْجَارُ إِصْغَاءَ ذِي الوَتَرِ

سَأَلْتُ: أَتَبْقَى العَيْنُ بَعْدَ فِرَاقِنَا؟

فَقَالَتْ: إِذَا غَابَتْ تَحَوَّلْتُ لِلمَطَرِ

فَقُلْتُ: أَيَا عَيْنَيْكِ هَلْ لِي عَوْدَةٌ؟

فَقَالَتْ: طُرُوقُ الشَّوْقِ مَنْحُوتَةُ السَّفَرِ

وَأَوْمَضَ فِي الأَهْدَابِ حُزْنٌ كَأَنَّهُ

يُكَفِّنُ ضَوءَ الرُّوحِ فِي قِطَعِ القَمَرِ

فَقُلْتُ: أَرِينِي الوَجْهَ قَبْلَ رَحِيلِنَا

فَقَالَتْ: وُجُوهُ العَاشِقِينَ عَلَى النَّهَرِ

فَلَا المَاءُ أَبْقَى صُورَةَ القَلْبِ بَعْدَهَا

وَلَا القَلْبُ أَبْقَى صَبْرَهُ فَوْقَ ذَا الصَّخْرِ

تَرَكْتُ عَلَى أَجْفَانِهَا نِصْفَ قِصَّتِي

وَخَلَّفْتُ نِصْفِي فِي انْكِسَارَاتِهَا أَثَرِ

فَقَالَتْ: دَعِ الذِّكْرَى تَنَامُ فَإِنَّهَا

إِذَا صَحَتِ الأَحْلَامُ صَارَتْ مِنَ القَدَرِ

فَقُلْتُ: سَأَحْمِلُ مِنْ عُيُونِكِ رِعْشَةً

تُخَبِّئُ فِي أَعْمَاقِهَا آخِرَ الخَبَرِ

وَلَمْ أَدْرِ أَنِّي كُنْتُ دَمْعَةَ عَيْنِهَا

تُفَتِّشُ عَنْ عَيْنَيْهَا فِي آخِرِ النَّظَرِ

“حِوَارُ الوَتَرِ الأَخِيرِ”

(البحر الطويل)

✍️ بِقَلَمِ الأَدِيبِ الدُّكْتُورِ أَحْمَدَ المُوسَوِيِّ

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَةٌ لِلدُّكْتُورِ أَحْمَدَ المُوسَوِيِّ

بِتَأْرِيخِ 07/02/2017

Time: 4pm

Screenshot

Leave a comment