“لماذا تزداد ظاهرة التوحد في العالم”
في السنوات الأخيرة صار التوحد حديث العالم كله. لم يعد أمرًا نادرًا أو مجهولًا كما كان في السابق، بل أصبحنا نرى مراكز متخصصة، ودراسات، وبرامج دعم، وأعدادًا متزايدة من الأطفال والبالغين الذين يتم تشخيصهم ضمن طيف التوحد. والعلم يقول إن جزءًا من هذا الازدياد يعود إلى تطور التشخيص وارتفاع الوعي المجتمعي، لكن السؤال الذي يدور في ذهني ليس طبيًا فقط، بل إنساني وفلسفي أيضًا: لماذا أصبح الإنسان الحديث يهرب دائمًا من مواجهة نفسه؟ ولماذا صار الجميع يحمّلون الآخرين أخطاءهم بينما نادرًا ما يقف أحد أمام المرآة ويقول: أنا أخطأت؟
أشعر أحيانًا أن العالم امتلأ بالأقنعة. السياسي يلوم الشعب، والشعب يلوم الظروف، ورجل الدين يلوم المجتمع، والمجتمع يلوم الإعلام، والإعلام يلوم الجمهور، وكل شخص يرى نفسه على حق حتى لو كان يؤذي غيره. صار الاعتراف بالخطأ ضعفًا عند كثير من الناس، بينما الحقيقة أن الإنسان الحقيقي هو الذي يملك شجاعة مواجهة نفسه قبل أن يواجه الآخرين.
ومن هنا تأتي الفكرة التي تجعلني أتأمل كثيرًا في بعض صفات المتوحدين. فالكثير منهم لا يجيد المجاملة الكاذبة، ولا يحب التصنع، ولا يدخل بسهولة في لعبة النفاق الاجتماعي. هو يرى الأشياء بطريقة مباشرة، ويتعامل مع العالم بمنطق مختلف، وأحيانًا بصدق جارح لكنه نقي. لذلك أشعر أن وجودهم رسالة غير مباشرة للبشر: أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى الأقنعة كي يكون مقبولًا.
أنا لا أقول إن التوحد حالة مثالية أو أن المصابين به ملائكة، فهذا غير صحيح وظالم لهم أيضًا، لأن التوحد حالة مختلفة من شخص إلى آخر، وبعضهم يعاني فعلًا من صعوبات كبيرة في التواصل أو الحياة اليومية. لكن ما أقصده أن المجتمع يمكن أن يتعلم منهم شيئًا مهمًا جدًا: الصدق مع الذات.
للأسف، مجتمعات كثيرة تركت العلماء والمفكرين الحقيقيين، وذهبت خلف مشاهير التفاهة والضجيج. صار الناس يركضون خلف من يثير الجدل أو يجمع المشاهدات، بينما يتم تجاهل أصحاب العلم والمعرفة والاختراعات والأفكار العظيمة. حتى في المجال الديني، ظهر أشخاص يستخدمون الدين للتأثير على الناس وجعلهم تابعين لهم بدل أن يقربوهم من الحقيقة والوعي والرحمة.
ومع الوقت أصبح الإنسان يخاف من الاختلاف. يريد الجميع نسخة واحدة تتكلم بنفس الطريقة، وتفكر بنفس الطريقة، وتصفق لنفس الأشياء. فإذا ظهر شخص مختلف، أو صادق أكثر من اللازم، أو لا يجيد التملق، شعروا أنه غريب. بينما ربما الغرابة الحقيقية ليست فيه، بل في مجتمع اعتاد على التمثيل حتى نسي شكله الحقيقي.
المتوحد لا يحتاج إلى الشفقة بقدر ما يحتاج إلى الفهم. يحتاج إلى مجتمع يحترمه ويمنحه فرصة للحياة والتعلم والتعبير عن نفسه. وأهله لا يحتاجون إلى اللوم، بل إلى الدعم والمحبة. لأن قيمة الإنسان ليست في كونه يشبه الجميع، بل في كونه إنسانًا له طريقته الخاصة في رؤية العالم.
أحيانًا أشعر أن المشكلة الكبرى ليست في ازدياد التوحد، بل في ازدياد الزيف الإنساني. فالعالم صار مزدحمًا بالكلام، لكنه فقير بالصدق. الناس تتواصل أكثر من أي وقت مضى، لكنها تفهم بعضها أقل من أي وقت مضى. الكل يريد أن يُسمَع، لكن قليلين من يريدون أن يفهموا الآخرين حقًا.
لذلك ربما علينا أن نتوقف قليلًا، وأن ننظر إلى هذه الظاهرة بعين إنسانية لا بعين السخرية أو الخوف. ربما علينا أن نتعلم أن الاختلاف ليس عيبًا، وأن الإنسان ليس آلة يجب أن تتطابق مع غيرها، وأن بعض القلوب الصامتة قد تكون أنقى من آلاف الأصوات المرتفعة حولنا.
وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي: هل المشكلة في الأشخاص المختلفين عن المجتمع، أم في مجتمع لم يعد يحتمل أي اختلاف؟
✍️ بقلم الأديب الدكتور أحمد الموسوي
جميع الحقوق محفوظة للأديب الدكتور احمد الموسوي
بتأريخ:10/12/2019
Time :12pm

Leave a comment