أَرَى الْمَرْءَ فَوْقَ الْأَرْضِ يَحْمِلُ حُكْمَهُ

وَيَمْضِي إِلَى يَوْمٍ يُفَتِّشُهُ مَحْشَرَا

وَمَا الْعُمْرُ إِلَّا خَطْوَةٌ فَوْقَ ظِلِّهَا

فَمَنْ أَحْسَنَ الْمَسْعَى تَرَكْنَاهُ أَثَرَا

إِذَا ضَحِكَتْ دُنْيَاكَ فَاحْذَرْ مَكِيدَهَا

فَكَمْ ضِحْكَةٍ صَارَتْ لِصَاحِبِهَا حَذَرَا

وَلَا تَحْسَبِ الْأَيَّامَ تَنْسَى فَعَالَنَا

فَفِي صَمْتِهَا تُخْفِي لِأَرْوَاحِنَا عِبَرَا

وَكُلُّ امْرِئٍ يَبْنِي بِكَفَّيْهِ قِصَّةً

إِذَا مَاتَ صَارَتْ بَيْنَ أَفْوَاهِنَا خَبَرَا

فَمَنْ زَرَعَ الْإِحْسَانَ فِي لَيْلِ فَاقَةٍ

أَضَاءَ لَهُ رَبُّ الْبَرَايَا بِهِ سِتْرَا

وَمَنْ كَانَ لِلْمَظْلُومِ سَيْفَ تَجَبُّرٍ

رَأَى سَيْفَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُنْكَسِرَا

أَيَا ابْنَ التُّرَابِ الْحَيِّ مَهْلًا فَإِنَّمَا

تُعَارُ لِدَارِ الْفَانِيَاتِ فَكُنْ حَذِرَا

فَلَا تَغْتَرِرْ بِالْمَالِ إِنْ جَاءَ طَائِعًا

فَكَمْ صَاحِبٍ لِلْمَالِ أَمْسَى بِهِ مَدَرَا

وَلَا تَحْتَقِرْ خَيْرًا صَغِيرًا فَرُبَّمَا

يَصِيرُ لَدَى بَابِ الْإِلَهِ لَهُ قَدَرَا

رَأَيْتُ فَتًى يَمْشِي وَفِي الْكَفِّ لُقْمَةٌ

فَأَعْطَى يَتِيمًا نِصْفَهَا وَرَضِيَ فَقْرَا

فَنَامَ الصَّغِيرُ الْمُرُّ يَحْلُمُ أَنَّهُ

رَأَى أُمَّهُ تَمْسَحْ عَلَى قَلْبِهِ قَبْرَا

وَمَرَّ غَنِيٌّ وَالْحَرِيرُ لِبَاسُهُ

فَأَعْرَضَ عَنْ دَمْعِ الْيَتَامَى وَمَا اعْتَبَرَا

فَقَالَ لَهُ صَمْتُ الْفَقِيرِ بِخَافِقٍ

سَتَلْقَى غَدًا مَا كُنْتَ تَحْسَبُهُ صَغِرَا

وَلَمَّا دَنَا مِنْ بَابِ قَبْرٍ بِوَحْدِهِ

رَأَى كُلَّ مَا أَخْفَاهُ فِي الْعُمْرِ مُنْتَظِرَا

فَلَا الْمَالُ أَنْجَاهُ وَلَا جَاهُ قَوْمِهِ

وَلَا صَفَّقَتْ لِلرُّوحِ أَيْدٍ إِذَا احْتُضِرَا

وَجَاءَتْهُ أَعْمَالُ الْخَفَاءِ كَأَنَّهَا

ذِئَابٌ عَلَى بَابِ الظَّلَامِ لَهُ زَأَرَا

وَقَالَتْ لَهُ الْأَرْضُ الَّتِي كَانَ فَوْقَهَا

أَتَيْتَ خَفِيفًا ثُمَّ عُدْتَ بِهَا وَزَرَا

هُنَالِكَ لَا يَنْفَعُ الدَّمْعُ بَعْدَمَا

غَدَا كُلُّ بَابٍ دُونَ تَوْبَتِهِ حَجَرَا

وَيُقْرَأُ فِي الصُّحُفِ الَّذِي كَانَ خَافِيًا

فَمَنْ صَدَقَ الْمِيزَانَ أَلْبَسَهُ نُورَا

وَمَنْ كَذَبَتْ فِي الْأَرْضِ أَقْوَالُهُ انْطَوَى

عَلَى حَسْرَةٍ تَسْقِي عُيُونًا سَعِيرَا

فَيَا زَارِعَ الْأَحْزَانِ فِي صَدْرِ عَاجِزٍ

سَتَحْصُدُ مِنْهَا فِي الْمَآبِ شَرَرَا

وَيَا زَارِعَ الْإِحْسَانِ فِي سِرِّ لَيْلَةٍ

سَتَلْقَى بِهِ فَوْقَ الصِّرَاطِ عَبِيرَا

وَيَا مَنْ يُؤَجِّلُ تَوْبَةً بَعْدَ زَلَّةٍ

تَذَكَّرْ بِأَنَّ الْمَوْتَ لَا يَقْبَلُ الْعُذْرَا

يَجِيءُ وَلَا يَسْتَأْذِنُ الْبَابَ مَرَّةً

وَلَا يَعْرِفُ الأَلْقَابَ حِينَ أَتَى قَسْرَا

فَكَمْ مِنْ فَتًى أَمْسَى يُرَتِّبُ حُلْمَهُ

فَأَصْبَحَ تَحْتَ التُّرْبِ يَسْتَوْحِشُ الْقَبْرَا

وَكَمْ مِنْ غَنِيٍّ كَانَ يَحْسَبُ مَالَهُ

جَنَاحًا فَلَمَّا مَاتَ لَمْ يَلْمَحِ الطَّيْرَا

وَكَمْ مِنْ ضَعِيفٍ كَانَ يَشْرَبُ دَمْعَهُ

فَأَصْبَحَ عِنْدَ اللَّهِ قَدْرًا مُعَظَّمَا

إِذَا كَانَ وَجْهُ الْحَقِّ أَبْعَدَ مَنْزِلٍ

فَسِرْ نَحْوَهُ وَلْتَحْمِلِ الْجَمْرَ وَالصَّبْرَا

وَإِنْ ضَاقَ دَرْبُ الْخَيْرِ فَاصْبِرْ فَإِنَّهُ

طَرِيقٌ إِلَى رَبٍّ يُجَازِي بِهِ الأَجْرَا

وَإِنْ فَتَحَ الشَّيْطَانُ لِلْقَلْبِ بَابَهُ

فَأَغْلِقْهُ بِالتَّقْوَى وَكُنْ فِيهِمَا حُرًّا

فَلَيْسَ الَّذِي يَبْقَى ثِيَابًا مُطَرَّزًا

وَلَا قَصْرَ مَنْ أَمْسَى بِطَاعَتِهِ فَخْرَا

وَلَكِنَّ مَا يَبْقَى دُعَاءُ مَحَبَّةٍ

وَدَمْعُ يَتِيمٍ قَدْ تَحَوَّلَ شُكْرَا

وَكِلْمَةُ حَقٍّ قِيلَتِ الأَرْضُ ضَيِّقَةٌ

فَصَارَتْ لِمَنْ قَالَتْ لَهُ الأَرْضُ بَحْرَا

وَصِدْقٌ إِذَا كَذَّبْتَكَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ

يُضِيءُ لَكَ الأَيَّامَ وَجْهًا مُنِيرَا

فَأَحْسِنْ فَإِنَّ الْخَيْرَ يَرْجِعُ صَاحِبًا

وَأَعْدِلْ فَإِنَّ الظُّلْمَ يَرْجِعُ خِزْيَا

وَلَا تَتْرُكِ الأَرْضَ الَّتِي عِشْتَ فَوْقَهَا

تُحَدِّثُ عَنْكَ النَّاسَ شَرًّا وَزُورَا

وَلَكِنْ دَعِ الدُّنْيَا تَقُولُ إِذَا انْقَضَى

لَقَدْ مَرَّ مَكْسُورًا وَخَلَّفَ نُورَا

فَكُلُّ امْرِئٍ بَعْدَ الرَّحِيلِ حِكَايَةٌ

فَإِمَّا شِفَاءً فِي النُّفُوسِ وَإِمَّا جُرْحَا

وَمَنْ لَمْ يَزِنْ قَبْلَ الرَّحِيلِ فِعَالَهُ

سَيَلْقَى غَدًا فِي كَفِّ مِيزَانِهِ النَّدَمَا

وَآخِرُ مَا يَبْقَى مِنَ الْمَرْءِ بَعْدَهُ

إِذَا غَابَ عَنْ دُنْيَاهُ مَا خَلَّفَ الأَثَرَا

وَتَرُ الأَثَرِ

(البحر الطويل)

✍️ بقلم الأديب الدكتور احمد الموسوي 

جميع الحقوق محفوظة للأديب الدكتور احمد الموسوي 

بتأريخ 05/13//2026

Time:6pm

Screenshot

Leave a comment