(البحر الطويل)

“على بابِ المقابر”

وَقَفْتُ عَلَى بَابِ الْمَقَابِرِ خَاشِعًا

أَرَى كُلَّ صَرْحٍ فِي التُّرَابِ يَتَهَدَّمُ

رَأَيْتُ الْمُلُوكَ الْغُرَّ غَابُوا كَأَنَّهُمْ

سَرَابٌ بَدَا يَوْمًا وَوَارَاهُ الْعَدَمُ

وَكَانَتْ لَنَا الدُّنْيَا تَلُوحُ بِزِينَةٍ

فَلَمَّا دَنَا التَّوْدِيعُ وَلَّتْ تَتَجَهَّمُ

وَمَا هِيَ إِلَّا وَمْضَةٌ ثُمَّ تَنْقَضِي

إِذَا لَاحَ فَجْرُ الْحَشْرِ فَالسِّرُّ يُعْلَمُ

رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي وَفِي الرُّكْنِ وَحْشَةٌ

كَأَنَّ بَقَايَا الْأُمِّ فِيهِ مَأْتَمُ

أَمُرُّ عَلَى الْكُرْسِيِّ بَعْدَ غِيَابِهَا

فَيَنْهَضُ مِنْ صَمْتِ الْجِدَارِ مَا يُكْتَمُ

وَأَلْمَحُ ثَوْبًا كَانَ يَدْفِئُ بَرْدَنَا

فَأُدْرِكُ أَنَّ الشَّوْقَ شَيْءٌ يُفْهَمُ

وَأَذْكُرُ كَفًّا تَمْسَحُ الرَّأْسَ رَحْمَةً

وَأَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ بِالْجَمْعِ يَرْحَمُ

بَكَيْتُ عَلَى بَابِ الدُّعَاءِ تَضَرُّعًا

لَعَلَّ انْكِسَارَ الرُّوحِ يَوْمًا يَلْتَئِمُ

فَإِنِّي وَإِنْ طَالَ الْأَسَى فِي جَوَانِحِي

لَأَمْرِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْخَلْقِ يُحْكَمُ

وَكَانَتْ إِذَا مَا مَسَّنَا الْجُوعُ أَقْبَلَتْ

تُسَكِّنُ رَوْعَ الدَّارِ حَتَّى يَبْتَسِمُ

وَتَخْبِزُ فِي جَوْفِ الظَّلَامِ رَغِيفَهَا

وَفِي مُقْلَتَيْهَا سَهَرُ الصَّبْرِ مُؤْلِمُ

وَتَحْمِلُ عَنِ الْأَبْنَاءِ ثِقْلَ لَيَالِينَا

وَفِي صَدْرِهَا بَحْرٌ مِنَ الصَّبْرِ يَنْهَزِمُ

فَلَمَّا انْثَنَتْ عَنَّا وَأَوْصَدَ بَابُهَا

رَأَيْتُ ضِيَاءَ الدَّارِ فِي الْحَالِ يُعْدَمُ

وَصَارَ أَبِي بَعْدَ الرَّحِيلِ كَأَنَّهُ

جَوَادٌ كَلِيمٌ مَا لَهُ الْيَوْمَ مَغْنَمُ

يَضُمُّ ثِيَابَ الرَّاحِلِينَ إِلَى الْحَشَا

كَأَنَّ بَقَايَاهُمْ إِلَى الصَّبْرِ تُلْهَمُ

وَيَسْكُتُ لَا يَشْكُو وَفِي الصَّمْتِ هَيْبَةٌ

لِأَنَّ رَفِيعَ الصَّبْرِ عِنْدَ اللَّهِ يُكْرَمُ

فَأَيْقَنْتُ أَنَّ الْمَرْءَ إِنْ لَاذَ بِالتُّقَى

مِنَ الرَّوْعِ فِي يَوْمِ الْحِسَابِ يَسْلَمُ

وَمَا الْعُمْرُ إِلَّا خَفْقَةٌ فِي جَوَانِحٍ

تَمُرُّ سَرِيعًا ثُمَّ تَمْضِي وَتَنْصَرِمُ

نُطَارِدُ أَوْهَامَ الْبَقَاءِ وَإِنَّمَا

سَرَابُ الْمُنَى فِي نَاظِرَيْهَا مُبْهَمُ

وَكَمْ ضَحِكَتْ مِنَّا اللَّيَالِي وَخَلَّفَتْ

وَرَاءَ الْمَرَايَا وَجْهَ حُزْنٍ مُظْلِمُ

وَكَمْ مَجْلِسٍ ضَجَّتْ بِهِ الْكَأْسُ سَاعَةً

سَيُورِثُ أَهْلِيهِ لَدَى الْفَجْرِ النَّدَمُ

وَلَذَّةُ نَفْسٍ لَا تُصَانُ بِمُرْشِدٍ

إِذَا اسْتُرْجِعَتْ بَعْدَ الرُّقَادِ هِيَ الْعَلْقَمُ

لِذَاكَ أَقَمْتُ الصَّبْرَ دِرْعًا لِأَنَّنِي

عَلَى عَدْلِ مَوْلَايَ فِي الْحُكْمِ مُقْسِمُ

سَأَحْمِلُ هَذَا الْوَجْدَ حَتَّى إِذَا انْتَهَى

كِتَابِي فَعِنْدَ اللَّهِ أَمْرِي يُخْتَمُ

فَإِنْ ضَاقَ صَدْرِي كُلَّمَا هَبَّ ذِكْرُهَا

فَذِكْرُ الْمَعَادِ لِجُرْحِ قَلْبِي مَرْهَمُ

وَأَمْسَكْتُ حَبْلَ اللَّهِ وَالدَّمْعُ شَاهِدٌ

وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ حَقًّا مُعْتَصِمُ

وَأَعْدَدْتُ لِلدَّارِ الْبَعِيدَةِ خُفْيَةً

سُجُودًا بِهِ حُسْنُ الْعَوَاقِبِ يُغْنَمُ

وَوَيْلٌ لِعَيْنٍ لَمْ تَرِقَّ لِذَنْبِهَا

فَصَاحِبُهَا مِنْ فَيْضِ رَحْمَتِهِ يُحْرَمُ

وَلِلْقَبْرِ بَابٌ لَا مَحَالَةَ دَاخِلٌ

إِلَيْهِ جَمِيعُ الْخَلْقِ صَفٌّ مُنْتَظِمُ

هُنَاكَ يَذُوبُ الْكِبْرُ مِنْ كُلِّ جَبْهَةٍ

وَيَبْدُو جَلَالُ الصِّدْقِ فِيهَا مُحْتَشِمُ

كَأَنِّي أَرَى الْأَعْمَارَ تَمْضِي كَأَنَّهَا

قِطَارُ شِتَاءٍ مَرَّ وَانْقَضَى الْمَوْسِمُ

وَفِي سَاحَةِ الْمِيزَانِ تَنْطَفِئُ الدَّعَاوَى

وَتَسْطَعُ أَنْوَارُ الْهُدَى كَالْأَنْجُمُ

فَمَنْ قَدَّمَ الْإِحْسَانَ يَظْفَرْ بِقُرْبِهِ

وَمَنْ صَدَقَ التَّوْحِيدَ فَالرَّبُّ أَكْرَمُ

وَمَنْ رَدَّهُ الْإِخْلَاصُ عَنْ دَرْبِ زَلَّةٍ

رَأَى فَضْلَ مَوْلَاهُ عَلَى الْكُلِّ أَعْظَمُ

وَمَنْ سَتَرَ الْمَكْسُورَ عَاشَ بِرَوْضِهِ

غَدًا وَهُوَ بَيْنَ الْخَالِدِينَ مُنَعَّمُ

وَمَنْ آثَرَ التَّقْوَى تَلَأْلَأَ وَجْهُهُ

كَأَنَّ ضِيَاءَ الْفَجْرِ فِيهِ مُنْسَجِمُ

وَمَنْ كَانَ يَهْوَى اللَّهَ خَفَّتْ هُمُومُهُ

وَعَادَ عَلَى رَغْمِ الْأَسَى مُتَبَسِّمُ

وَلَيْلُ الْغِيَابِ إِذَا تَمَادَى بِسُهْدِهِ

رَأَيْتُ عَلَى أَطْرَافِهِ خَطْبًا مُدْلَهِمُّ

وَلَكِنَّنِي أَرْجُو مِنَ اللَّهِ مَوْعِدًا

بِهِ كُلُّ هَذَا الْكَسْرِ أَجْرٌ مُغْتَنَمُ

سَأَلْقَى أَحِبَّائِي إِذَا زَالَ بَيْنَنَا

غُبَارُ الْأَسَى وَانْجَابَ شَمْلٌ مُلْتَحِمُ

وَتَأْتِي صَحَائِفُنَا إِلَى الْكَفِّ مَرَّةً

فَطُوبَى لِمَنْ بِالْيُمْنِ جَاءَ مُسْتَلِمُ

وَيَبْدُو عَلَى وَجْهِ الْمُنِيبِ سَكِينَةٌ

كَنُورِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَهُوَ مُرْتَسِمُ

وَمَنْ عَافَ زَيْفَ الْأَرْضِ عَاشَ كَأَنَّهُ

بِذِكْرِ إِلَهِ الْخَلْقِ بِالْحُبِّ مُغْرَمُ

وَمَنْ لَازَمَ الِاسْتِغْفَارَ فِي كُلِّ هَزْعَةٍ

مَشَى فِي طَرِيقِ الرُّشْدِ وَهُوَ مُسْتَقِيمُ

وَمَا زِلْتُ أُحْيِي فِي الْخَيَالِ مَلَامِحًا

إِذَا مَرَّ ذِكْرُ الْأُمِّ أَشْرَقَ مَبْسَمُ

وَفِي آخِرِ الْأَسْحَارِ أَرْفَعُ عَبْرَتِي

دُعَاءً بِهِ هَذَا الْأَسَى مُخْتَتَمُ

فَلَا خَابَ عَبْدٌ فِي الرَّجَاءِ بِرَبِّهِ

لِأَنَّ جَنَابَ اللَّهِ بِالْفَضْلِ مُعَظَّمُ

فَإِنْ طَالَ دَرْبُ الصَّابِرِينَ فَإِنَّنِي

فَتًى بِالْأَسَى الْمَكْنُونِ طُولَ الْمَدَى مُغْتَمُّ

وَيَا رَبِّ فَاجْمَعْنِي بِأُمِّي وَرَاحَتِي

بِدَارِ بَقَاءٍ فِيهَا الرَّجَاءُ الْأَتَمُّ

✍️بقلم أ.د.أحمد الموسوي

جميع الحقوق محفوظة للدكتور أحمد الموسوي 

بتأريخ 05.12.2012

Time:6pm

Screenshot

Leave a comment