“رمضان تحت النار حين تتحول الحرب الى قدر وتصبح المنطقة رهينة السماء والبحر”

نحن في سنة ٢٠٢٦ امام مشهد ليس موجة توتر عابرة يمكن احتواؤها بخطاب او بوساطة سريعة بل امام امتحان قاس لمعنى الردع وحدود القوة ومعنى الدولة ومعنى الانسان ايضا والاصعب انه جاء في رمضان الشهر الذي يفترض ان يكون مساحة للرحمة وكبح الغضب لا منصة لاختبار النيران

هذه الحرب لم تبق داخل مثلث ايران اسرائيل امريكا كما يتوهم البعض بل تمددت بسرعة الى الجوار العربي والاسلامي لان الجغرافيا هنا لا تعمل كجدران عازلة بل كمسارات نقل وطاقة وسماء مفتوحة وبحار حساسة وما ان اشتعل المركز حتى بدأت الاطراف تهتز وبدأت الدول التي تستضيف قواعد امريكية تدفع ثمن موقعها لا اختيارها

ثم جاءت النقلة الاخطر حين دخل مضيق هرمز الى قلب المعركة لا كعنوان نظري بل كتهديد عملي معلن وحين يصبح المضيق ورقة ضغط فالمسألة ليست ممر بحري فقط بل صدمة ثقة للعالم كله ونبض للطاقة والتجارة والتامين والشحن وحين ترتجف الثقة ترتجف الاسواق قبل ان تتحرك البراميل وترتفع كلفة كل شيء من الوقود الى الغذاء الى النقل ويبدأ الاقتصاد العالمي يتأرجح على حافة لا احد يريد ان يراها لكنها تقترب من الجميع

وعند هذه النقطة نفهم لماذا شعرت قطر والبحرين والسعودية والكويت ومعها العراق وغيرها ان الحياة تعلقت فجاة لان البحر حين يتوتر تتبعه السماء فقرارات الطيران تتبدل وحركة الرحلات تتعطل والمسارات تتحول والناس تدخل زمن الانتظار زمن مطارات مربكة وجداول لا تثبت على حال وتجارة لا تعرف متى تصل وسلع ترتفع كلفتها وتامين يقفز في لحظة واحدة وحين تكون دولة مثل العراق على تماس دائم مع توازنات المنطقة يصبح ارتداد الحرب عليه مضاعفا عبر امن الداخل والحدود والاقتصاد وحركة الناس والتجارة والطاقة معا

لكن بين كل عوامل النار تبقى لحظة واحدة هي الاكثر خطورة منطقيا واخلاقيا لحظة مقتل المرشد الايراني في ضربة امريكية اسرائيلية وما حملته من وهم سياسي كبير ان غياب الرأس يعني انهيار المنظومة وان قتل القيادة يفتح تلقائيا عهدا جديدا وان ايران ستدخل تلقائيا مرحلة ضعف او تفكك هذا تصور مغر لمن يبحث عن نهاية سريعة لكنه في الغالب خطأ استراتيجي لان الصدمة قد تتحول الى مادة تماسك داخلي وتعبئة ثأرية وتصلب في القرار وتوسيع في خيارات الرد بدل ان تكون بوابة انكسار

وتحت ضغط هذه الصدمة توسعت ساحات الرد وتحولت دول عدة الى نقاط ضغط مباشرة لانها تستضيف قواعد او مصالح امريكية واصبح التهديد جزءا من يوم الناس لا من نشرات السياسة وحين تضرب طائرات مسيرة او صواريخ مواقع مرتبطة بحضور امريكي في اكثر من بلد فان رسالتها تتجاوز الدولة المستهدفة الى كل من حولها انها تقول لا خطوط امان ثابتة وهذا النوع من الرسائل يرفع منسوب القلق الاقليمي ويزيد من احتمالات سوء التقدير ويجعل اي حادث صغير قابلا لان يتحول الى سلسلة ردود

المنطقة لا تخاف من الضربة بقدر ما تخاف من الانزلاق المتتابع حين تدخل حرب بهذا الحجم الى شبكة الدول والممرات والقواعد والبحار والمطارات يصبح من الصعب جدا رسم خط توقف واضح لان كل طرف يريد ان يثبت انه لم يتراجع وكل طرف يخشى ان يقرأ خصومه الهدوء كضعف فتبدأ الحرب تتحول الى موجات تصعيد ثم تهدئة ثم تصعيد وقد تتسع ساحات الاشتباك تدريجيا حتى من دون قرار معلن بالتوسيع

اذا استمر اغلاق مضيق هرمز او بقي التهديد حوله فعليا فالعالم لن يقف متفرجا طويلا لان الاقتصاد لا يتحمل نزيفا مفتوحا والضغط الدولي سيتحول من نصائح الى اجراءات وسيتزايد ثقل الخيارات القاسية او التسويات القسرية لان كلفة الطاقة والشحن والتامين ستعيد ترتيب اولويات كثير من الدول بسرعة

اما اذا تراجعت حدة التهديد في المضيق وعادت الممرات للتنفس ولو جزئيا فالسيناريو الارجح سيكون حربا اقليمية واسعة منخفضة الحدة متقطعة لكنها طويلة النفس تتغذى على ضربات محدودة وردود محسوبة ثم انزلاقات مفاجئة وهذا السيناريو هو الذي يرهق الخليج والعراق وسائر المنطقة لان اثره اليومي اقتصادي ونفسي واجتماعي قبل ان يكون عسكريا ويجعل الدول تعيش داخل حالة طوارئ غير معلنة تلتهم الاستثمار والسياحة والاستقرار وتفتح شهية الجماعات المتشددة في الهوامش الرخوة مثل افغانستان وما حولها كي تستثمر الفوضى وتبيع خطابها على انه خلاص

لسنا امام حرب عالمية بالمعنى الكلاسيكي الشامل على الارجح لان كلفة المواجهة الكبرى على القوى العظمى مدمرة ولان الردع الشامل يجعل الجميع يحسب الف خطوة قبل الانزلاق الى مواجهة كونية لكننا مهددون بحرب اقليمية واسعة او بسلسلة حروب اقليمية متتابعة اذا استمرت ثلاثة عوامل معا استمرار الضربات التي تمس رموزا وبنى استراتيجية بشكل يدفع لردود لا يمكن احتواؤها استمرار تهديد الممرات البحرية الحيوية بما يجعل الاقتصاد العالمي اسيرا للخوف واستمرار تحويل دول الجوار الى ساحات رسائل عبر استهدافات متبادلة حول القواعد والمصالح

ووسط هذا كله المطلوب ليس تعبئة كراهية بل تعبئة وعي لا تسمحوا للدعاية ان تسرق عينكم عن الانسان ولا تسمحوا للصدمة ان تسرق عقولكم عن المعنى ضعوا المدني في قلب الصورة وارفضوا ان تتحول قطر والبحرين والسعودية والكويت والعراق وغيرها الى رهائن لرسائل النار وارفضوا ان يصبح رمضان الذي يفترض ان يكون مدرسة لضبط النفس توقيعا مفتوحا للغضب

في النهاية قد يربح طرف جولة وقد يخسر طرف جولة لكن المنطقة كلها تخسر اذا صارت السماء سجنا والبحر فخا والاقتصاد رهينة والناس وقودا والدرس الاكبر ان من يظن ان قتل قيادة او اغلاق مضيق او ضرب قاعدة يخلق عهدا جديدا وحده غالبا لا يرى الا نصف الحقيقة اما نصفها الاخر فهو ان الشعوب هي التي تدفع الثمن وان التاريخ لا يفتح ابوابه لعهود جديدة بالنار وحدها بل بعقل يوقف النار قبل ان تلتهم الجميع.

✍️ أ.د. أحمد الموسوي

جميع الحقوق محفوظة للدكتور أحمد الموسوي 

بتأريخ 03/03/2026

Time:6:am

Screenshot

Leave a comment