“عيدٌ على حافّةِ الدمع”

يأتي العيدُ كلَّ عامٍ كأنّه بابٌ من نورٍ يُفتَح للقلوب، لكنّه في هذا الزمن العربيِّ المثخن بالجراح لا يدخل علينا خفيفًا كما كانت تدخله الطفولة، ولا يهبط على الأرواح نقيًّا كما تهبط البشائر على أيّام الآمنين.

يأتي وفي جبينه تكبيراتُ السماء، لكنّ في أطراف ثوبه غبارَ المدن المنكوبة، وفي عينيه بريقَ الفرح المرتجف، كأنّه هو الآخر يعرف أنّ بيننا من يستقبل صباحه بثوبٍ جديد، ومن يستقبله بكفنٍ جديد، وأنّ بيننا من يفتح باب بيته للتهنئة، ومن لم يَعُد له بيتٌ ولا باب.

في صباح العيد، حين ترتفع المآذن بالتكبير، ترتجف في صدورنا أشياءُ لا تُسمَّى.

نشعر أنّ الله يسكب على العالم شيئًا من رحمته، لكنّ الرحمة نفسها تمرّ على قلوبنا فتوقظ ما خبّأناه من وجعٍ طويل.

نبتسم، نعم، لأنّ العيد سنّةُ الحياة، ولأنّ الأطفال ينتظرون الفرح كما تنتظر الأرضُ المطر، لكنّ ابتسامتنا كثيرًا ما تكون ستارًا رقيقًا لدمعةٍ واقفةٍ في آخر الروح، دمعةٍ لا تسقط لأنّها تعرف أنّ خلفها حكاياتٍ لو انفرطت لأغرقت القلب كلَّه.

نلبس الجديد، ونتبادل التهاني، وتدور أطباق الحلوى بين الأيدي، غير أنّ في داخل كلِّ بيتٍ عربيٍّ زاويةً لا يطالها الزينة، ولا يضيئها العيد كاملًا.

زاويةً يجلس فيها الغائبون بصمتهم الموجع، وتتنفّس منها أسماءٌ لم تَعُد تُنادى كما كانت، ووجوهٌ انطفأت وبقي نورها معلّقًا على الجدران، وعلى الأبواب، وعلى ذاكرة الأمّهات.

كم من أمٍّ يدخل عليها العيد، فتُخفي وجهها قليلًا كي لا يرى أبناؤها أنّ في قلبها مقبرةً مفتوحة.

وكم من أبٍ يوزّع العيديات بيدٍ ثابتة، فيما يده الأخرى تمسك وجعًا قديمًا كي لا يقع أمام أطفاله.

وكم من طفلٍ يضحك اليوم، ولا يعرف أنّ في البيت كرسيًّا فارغًا يوجع الكبار أكثر ممّا تفعله الأخبار.

وفي واقعنا العربيّ، لا يكون العيدُ مجرّد موسمٍ للفرح، بل امتحانًا قاسيًا للقلوب.

كيف يكتمل الفرح في أرضٍ لم يهدأ فيها البكاء بعد؟

كيف ترتّب الأمُّ ثياب صغارها للعيد، وهي لم تطوِ بعدُ ثياب شهيدها الأخيرة؟

كيف يعلّق الناس زينة العيد على جدرانٍ ما زالت تحفظ رجفةَ القصف، ورائحةَ الخوف، وآثارَ من مرّوا من هنا ثم لم يعودوا؟

إنّنا أمّةٌ تعلّمت، على قسوة ما مرّ بها، أن تبتسم وجرحها نازف، وأن تقول: الحمد لله، وفي حلقها غصّةُ عمرٍ كامل.

وحين نذكر الشهداء، لا ينبغي أن نذكرهم أرقامًا تُحصى، ولا أخبارًا تُتلى ثم تُنسى.

الشهداء ليسوا عددًا في شريطٍ عاجل، بل أرواحٌ كانت تحلم مثلنا، وتحبّ مثلنا، وتنتظر العيد مثلنا.

كان لهم ثوبٌ أرادوه، وموعدٌ تمنّوه، وأمٌّ كانت تخبّئ لهم قطعةَ حلوى، وأبٌ كان يهيّئ قلبه لضحكتهم، وأختٌ كانت تنتظرهم على باب المساء، وطفلٌ كان يظنّ أنّ أباه سيعود حتمًا لأنّ الآباء في عيون الصغار لا يموتون.

لكنّهم رحلوا، وبقيت بعدهم أشياءُ صغيرةٌ تُبكي أكثر من الفاجعة نفسها:

فنجانٌ لم يُغسَل، وسادةٌ احتفظتْ بشكل الرأس، قميصٌ ما زالت فيه رائحةُ الجسد، لعبةٌ في زاوية الغرفة، رسالةٌ ناقصة، وخطوةٌ أخيرة على عتبة البيت لم يكن أحدٌ يدري أنّها الوداع.

وتبقى فلسطين في قلب العيد، لا على هامشه.

تبقى في خبزنا، وفي دعائنا، وفي دمعتنا التي نتعلّم كلَّ عامٍ كيف نحبسها كي لا تفسد على الصغار براءتهم.

فلسطين ليست خبرًا يمرّ، ولا صورةً تُطوى، ولا وجعًا بعيدًا نختلف عليه ثم نمضي.

فلسطين قطعةٌ من نبضنا، إذا نزفتْ اختنقت فينا أشياءُ لا تعود كما كانت أبدًا.

كيف يصفو العيد، والقدسُ مثقلةٌ بالوجع؟

كيف يهنأ القلب، وغزّةُ تعلّم الدنيا كلَّ يومٍ كيف يكون الصبر حين لا يبقى في اليد إلّا الله؟

كيف نقول: كلُّ عامٍ وأنتم بخير، وهناك أمٌّ فلسطينيّةٌ ترتّب بيدها ثياب أطفالها الشهداء بدل أن ترتّب لهم صباح العيد؟

وكيف لا ترتجف أرواحنا، ونحن نعلم أنّ ثمّة طفلًا هناك قد يحفظ أسماءَ الطائرات قبل أن يحفظ أسماءَ الألعاب، وقد يعرف شكلَ الكفن قبل أن يجرّب تمامًا معنى القميص الجديد؟

فلسطين في العيد ليست دمعةَ حزنٍ فحسب، بل دمعةُ كرامة.

هي الوجع الذي كلّما حاول العالم أن يُطفئه فينا ازداد اشتعالًا، لأنّه وجعُ الحقّ.

وهي الحضور الذي لا يغيب، لأنّ من أحبّ أرضًا باركها الله لا يستطيع أن يسلخها من وجدانه ولو تكاثرت فوق القلب مشاغل الدنيا وأحزانها.

نحمل فلسطين معنا إلى صلاة العيد، إلى مصافحة الأحبّة، إلى موائدنا، إلى أصوات أطفالنا، إلى صمتنا الذي يطول فجأةً بين تهنئةٍ وأخرى.

كأنّ في داخل كلّ واحدٍ منّا دعاءً سرّيًّا لا يكفّ عن الترديد:

يا ربّ، اجعل لفلسطين عيدًا لا يُجاوره موت، وصباحًا لا تسبقه صفّاراتُ الخوف، وطفولةً لا تنام على الرعب، وأمًّا لا تضطرّ أن تختار بين الدموع والصبر لأنّها استُنزفت من كليهما.

ومع كلّ هذا، لا يفقد العيدُ معناه.

بل لعلّ معناه الحقيقيّ يظهر أكثر حين يزور القلوب المكسورة.

العيد ليس دعوةً إلى النسيان، بل رحمةٌ تقول للمنكوبين إنّ الله ما زال يفتح في العتمة نافذةً للنور.

وليس الفرح خيانةً للوجع، بل أحيانًا يكون أصدقَ أشكال المقاومة.

أن تضحك الأمّ في وجه طفلها وهي تحمل جبلًا من الحزن، فهذا بطولة.

وأن ينهض الأب، رغم انكساره، ليصنع لأبنائه صباحًا يشبه العيد، فهذا جهادُ القلوب.

وأن نتمسّك بالدعاء، وبالرجاء، وبالقدرة على الحبّ، فيما العالم من حولنا يتقن صناعة القسوة، فذلك انتصارٌ لا تراه الكاميرات، لكنّ الله يراه، والتاريخ يحفظه، والقلوب الشفيفة تعرف قدره.

يا عيد، إن دخلتَ بيوتَ العرب هذا العام، فادخل على مهل.

خفّف خطاك عند أبواب الثكالى، فإنّ في البيوت قلوبًا لو لمستَها بقسوةٍ انكسرت.

وامسح على رؤوس الأطفال الذين تعلّموا باكرًا أكثر ممّا ينبغي لهم من معنى الفقد.

واجلس طويلًا عند صدور الأمهات اللواتي يبتلعن الدمع في كلّ مناسبةٍ كي يبقى البيت واقفًا.

وقل للشهداء، إذا مررتَ بأرواحهم الطاهرة: ما نسيَتكم الأمّة، وإن شغلها وجعُها؛ وما بردتْ دماؤكم في ضمير الأحرار؛ وما زالت أسماؤكم تضيء، مثل قناديل خفيّة، في ليالي المقهورين.

وقل لفلسطين، من قلب كلّ عربيٍّ صادق: أنتِ لستِ وحدكِ، ولو خانتْكِ الدنيا؛ أنتِ في الدعاء الذي يخرج من بين أضلاعنا محمّلًا بالدمع، وفي الوفاء الذي لا يشيخ، وفي الحزن النبيل الذي علّمنا أنّ بعض الأوطان لا نسكنها فقط، بل تسكننا إلى الأبد.

وكلُّ عامٍ وأنتم بألف خير،

لكنّها تهنئةٌ تعرف الطريق إلى الدمع كما تعرف الطريق إلى القلب.

وكلُّ عامٍ وأرواحُ الشهداء أقرب إلينا من الغياب، كأنّهم لم يرحلوا، بل صعدوا قليلًا وبقوا يطلّون علينا من رحمة الله.

وكلُّ عامٍ وفلسطين فينا، لا ذكرى تُستعاد، بل نبضًا يُعاش، ووجعًا شريفًا، ووعدًا لا يخون.

وكلُّ عامٍ ودمعتُنا لها، بها، ومنها؛

دمعةٌ نحفظها في العيون كي لا تنكسر التهاني،

ونحفظها في القلوب كي لا نخون الحقيقة،

ثم نرفعها إلى الله في ليلة العيد دعاءً مرتعشًا:

أن يربط على قلوب المكلومين،

وأن يرحم الشهداء رحمةً تليق بطهرهم،

وأن يُبدّل خوف الأطفال أمنًا،

وحزن الأمهات سكينةً،

وخراب الأوطان فجرًا،

وأن يأتي عيدٌ قريبٌ على هذه الأمّة لا تختبئ فيه الضحكة وراء دمعة،

ولا يلبس فيه الفرحُ ثوبَ الحداد،

ولا تكون فيه فلسطين خبرَ وجعٍ،

بل بشارةَ نصرٍ، ورايةَ حقٍّ، وصباحًا عربيًّا يليق بكلّ هذا الصبر.

✍️ أ.د. أحمد الموسوي

Screenshot

Leave a comment