صراع الإرادات في المنطقة
ترامب وإيران والعالم العربي بين منطق القوة وغياب القرار

لم يعد الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإيران مجرد مواجهة سياسية تقليدية أو تبادل رسائل تهديد عبر الإعلام، بل تحوّل إلى مسرح لإعادة تشكيل النظام الإقليمي والدولي، تُستَخدم فيه المنطقة العربية بوصفها ساحة اختبار، لا طرفًا فاعلًا كامل السيادة. وفي عام ٢٠٢٦ يتكشّف هذا المشهد بوضوح أشد، حيث تتقاطع الحسابات الدولية على أرضٍ عربية مثقلة بالأزمات والانقسامات.

عودة دونالد ترامب إلى الواجهة السياسية، بخطابه الصدامي ونهجه القائم على منطق القوة والصفقات، أعادت إحياء سياسة حافة الهاوية. فإيران، التي خرجت من سنوات طويلة من العقوبات والحصار النسبي وهي أكثر خبرة في إدارة الصراع غير المباشر، لم تعد تتعامل بردود أفعال آنية، بل بمنهج استنزافي طويل النفس، يراكم النفوذ ويُحسن توظيف التناقضات الدولية.

الخطير في هذا المشهد ليس التصعيد بحد ذاته، بل تطبيع التصعيد. العقوبات، الضربات المحدودة، الهجمات السيبرانية، تحريك الوكلاء، وحروب الظل، أصبحت أدوات اعتيادية في إدارة العلاقات الدولية. وفي هذا السياق، تجد الدول العربية نفسها محاصرة بين خيارين كلاهما مُر: إما الانخراط القسري في محاور لا تصنعها، أو دفع ثمن الحياد في عالم لا يعترف بالفراغ.

المنطقة العربية اليوم لا تُستهدف بسبب ضعفها العسكري فقط، بل بسبب تفكك موقفها السياسي. فبين عواصم تُراهن على الحماية الغربية، وأخرى تحاول موازنة علاقاتها شرقًا، وثالثة غارقة في أزماتها الداخلية، يغيب المشروع العربي الجامع، وتتحول الجغرافيا العربية إلى أوراق تفاوض على طاولات الآخرين.

أما الغرب، فيمارس ازدواجية صارخة: خطاب ديمقراطي وحقوقي في العلن، وسياسات واقعية قاسية في العمق. المصالح الاقتصادية، أمن الطاقة، والتحكم بخطوط التجارة، تتقدم دائمًا على استقرار الشعوب. لذلك لا تبدو الأزمات مرشحة للحل، بل للإدارة بما يخدم مراكز النفوذ الكبرى.

في المقابل، تدرك إيران أن الصدام الشامل ليس في صالحها، لكنها تدرك أيضًا أن التراجع الكامل يعني نهاية مشروعها الإقليمي. فتختار المسار الرمادي: لا حرب كبرى، ولا سلام حقيقي. وهو مسار يُبقي المنطقة في حالة توتر مزمن، يستنزف الاقتصاد، ويُعمّق الانقسامات، ويؤجل أي نهضة حقيقية.

إن أخطر ما يواجه العالم العربي اليوم هو تعوّد الشعوب على العيش داخل الأزمات، وكأنها قدر لا فكاك منه. بينما الحقيقة أن غياب الإرادة السياسية المستقلة، وتآكل القرار السيادي، هو ما يجعل المنطقة قابلة للاشتعال مع كل تغيّر في المزاج الدولي أو توازنات القوة.

المطلوب ليس الاصطفاف الأعمى، ولا الخطابات الشعبوية، بل وعي عربي جديد يُدرك أن الاستقرار لا يُستورد، وأن الأمن لا يُمنح، وأن من لا يملك قراره سيبقى ساحةً لا لاعبًا.

✍️ بقلم أ.د. أحمد الموسوي

Leave a comment