“رُوحٌ تُسَلِّمُ لِصَمْتٍ لَا يَرْحَم”

يا رُوحُ…

مَا الَّذِي أَعْيَاكِ

حَتّى صِرْتِ

تَتَشَظَّيْنَ فِي أَعْمَاقِكِ

كَحَجَرٍ

يُطْحَنُ تَحْتَ مِعْوَلٍ أَصَمَّ،

وَتَتَنَاثَرُ مِنْكِ الأَجْزَاءُ

كَفُتَاتِ مِرْآةٍ

نَسِيَتْ وُجُوهَ مَنْ عَبَرُوا أَمَامَهَا.

أيَّتُهَا الرُّوحُ…

أيُّ سَقْطَةٍ هَذِهِ

تَتَقَدَّمُ فِيكِ

بِخُطًى مَغْمُوسَةٍ فِي السُّكُونِ،

كَأَنَّ المَوْتَ

لَا يَأْتِي لِيَخْتَطِفَكِ

دُفْعَةً وَاحِدَة،

بَلْ لِيُطْفِئَ – عَلَى مَهَلٍ –

مِصْبَاحًا بَعْدَ مِصْبَاحٍ

فِي مَمَرَّاتِ دَاخِلِكِ.

تَتَفَتَّحُ فِي جَوْفِكِ

شُرُوخٌ

كَانَتْ تَخْتَبِئُ

تَحْتَ زِحَامِ الكَلِمَاتِ،

وَتَتَسَاقَطُ

كُلُّ السُّقُوفِ الَّتِي رَفَعَتْهَا أَيَّامُكِ

فَوْقَ رَأْسِكِ،

حَتّى لَا يَبْقَى بَيْنَكِ

وَبَيْنَ الهَوَاءِ

إِلَّا هُوَّةٌ

تَنْحَدِرِينَ فِيهَا

كَحَرْفٍ أُسْقِطَ

مِنْ آخِرِ سَطْرٍ

فِي الحِكَايَةِ.

تَرْفَعِينَ نَظْرَكِ…

فَيُجَرِّبُ الوَجَعُ

أَقْسَى دُرُوسِهِ عَلَيْكِ:

أُمٌّ

تَتَكَعْثَمُ أَنْفَاسُهَا

فِي حَلْقِ دَمْعَتِهَا،

وَأَبٌ

يَنْشَقُّ سُكُوتُهُ

كَجِدَارٍ

تَكَاثَرَتْ فِيهِ الشُّقُوقُ،

وَأَخٌ

يَمُدُّ يَدَهُ

نَحْوَ بَقِيَّةِ قُوَّةٍ

تَنْسَلُّ

مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ،

وَحَبِيبٌ…

يَنْحَنِي فَوْقَ جَسَدِكِ

حَتّى تَتَطَابَقَ مَلامِحُهُ

مَعَ ظِلِّهِ فِي الأَرْضِ،

كَأَنَّهُ يُجَرِّبُ – بِدُونِ شُهُودٍ –

وَقْفَةَ حُزْنِهِ

فَوْقَ قَبْرٍ مُسْتَقْبَلِيّ.

ثُمَّ تَشْتَدُّ عُتْمَةُ المَشْهَدِ…

تَتَرَفَّعِينَ عَنِ الأَرْضِ،

لَا كَجَنَاحٍ يَخْتَارُ السَّمَاءَ،

بَلْ كَخَيْطٍ

يُسْحَبُ بِبُطْءٍ

مِنْ نَسِيجٍ بَالٍ،

يَتْرُكُ خَلْفَهُ

ثُقُوبًا دَقِيقَةً

تَتَّسِعُ فِي صُدُورِ

مَنْ يَنْظُرُونَ.

تَرَيْنَ جَسَدَكِ…

مُتْرُوكًا

عَلَى حَافَّةِ السَّرِيرِ

كَكِتَابٍ أُغْلِقَ

فِي أَشَدِّ فَصْلٍ مِنْهُ،

وَتَلْمَحِينَ حَوْلَهُ

وُجُوهًا

تَتَعَلَّمُ السُّقُوطَ

بِطَرِيقَةٍ أَكْثَرَ هُدُوءًا

مِمَّا يَنْبَغِي.

فِي أَعْلَى النُّقْطَةِ

حَيْثُ يَبْعُدُ الصَّوْتُ

حَتّى يُشْبِهَ رُؤْيَةً

أَكْثَرَ مِمَّا يُشْبِهُ نِدَاءً،

تَشْعُرِينَ

بِكَلِمَاتٍ

تَتَكَسَّرُ فِي حَلْقِكِ:

يَا رَبّ…

لَمْ أُتْمِمْ

أَسْمَاءَهُمْ

فِي قَلْبِي بَعْدُ،

لَمْ أَقُلْ

كُلَّ الجُمَلِ

بِنُسَخِهَا الأَخِيرَة،

لَمْ أَضَعْ

كَفِّي الأَخِيرَةَ

عَلَى رُءُوسِ مَنْ

سَيَسْتَيْقِظُونَ غَدًا

بِنِصْفِ نَفْسٍ.

يَمُرُّ المَشْهَدُ

كَسَحَابٍ ثَقِيلٍ

يَعْبُرُ فَوْقَ مَدِينَةٍ مُنْطَفِئَة،

وَيَعُودُ الصَّمْتُ

لِيَقْتَرِبَ مِنْكِ

كَسِكِّينٍ دَقِيقَةٍ

تُسَوِّي مَا بَقِيَ فِيكِ

مِنْ نُتُوءَاتِ الحَيَاةِ.

هُنَاكَ…

فِي المَكَانِ الَّذِي

لَا يَحْمِلُ اسْمًا،

يَبْقَى مَكَانُكِ فِي الأَرْضِ

فَارِغًا

كَكُرْسِيٍّ

لَمْ يَعُدْ يَلِيقُ بِـجَالِسٍ،

وَيَبْقَى اسْمُكِ

مُعَلَّقًا

فِي أَطْرَافِ الجُمَلِ

الَّتِي لَمْ يُتِمَّهَا أَحَد،

وَيَبْقَى الَّذِينَ أَحَبُّوكِ

يَتَحَسَّسُونَ فِي أَجْسَادِهِمْ

فَجْوَةً صَامِتَةً

تُفْصِحُ – بِدُونِ كَلِمَاتٍ –

عَن مَكَانٍ

لَنْ يَمْتَلِئَ

بِكِ

مَرَّةً أُخْرَى.

✍️بقلم الاديب الدكتور أحمد الموسوي 

جميع الحقوق محفوظة للدكتور أحمد الموسوي 

بتأريخ 04/20/2024

Screenshot

Leave a comment