حقيقة مفهوم الوطن والمواطن
بقلم: الأديب الدكتور أحمد الموسوي
الوطن، تلك الكلمة الصغيرة في حروفها، الكبيرة في معانيها، هي الحلم الذي يرافق الإنسان منذ ولادته وحتى مماته، وهي الأرض التي يزرع فيها أحلامه ويغرس جذوره في تربتها، ويرويها بعرقه ودموعه وأمانيه. ليس الوطن حدوداً على خارطة أو وثيقة رسمية، بل هو الحاضنة التي ينمو فيها الإنسان وتتشكل شخصيته وهويته، وهو الذاكرة الجماعية التي يحملها معه في غربته، وصوت الأم في ليالي الشتاء، وصدى الأجداد في الحقول والشوارع.
الدين يحث الإنسان على حب أرضه وأهله، ويجعل من الإعمار مسؤولية مقدسة. قال تعالى:
“هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا” (هود: 61).
وفي الحديث الشريف: “من أصبح آمناً في سربه، معافىً في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا” (رواه الترمذي)، إشارة إلى أن الاستقرار على الأرض والعيش الكريم من أعظم النعم. فالوطن في الدين مكان للعبادة والعمل والرحمة، ولا يجوز الإفساد فيه، بل يجب الحفاظ عليه ونشر الخير فيه.
تتعدد الرؤى الفلسفية حول الوطن: فهو عند أفلاطون المدينة الفاضلة، وعند أرسطو وحدة الجماعة الإنسانية، وعند سارتر هو المكان الذي تتلاقى فيه العلاقات والمعاني الوجودية للإنسان. أما الفيلسوف العراقي علي الوردي فيرى أن الوطن هو التجربة التي يصنعها الإنسان بنفسه ويصنعه بها. الوطن هنا ليس فقط جغرافيا، بل فكرة وقيمة ومسؤولية. وهوية الإنسان تتشكل ضمن هذا الإطار، فالمواطن الحقيقي هو من يدرك أن الوطن أمانة في عنقه، وأن سعادته مرتبطة بازدهار مجتمعه.
لم يكن الوطن يوماً مجرد حكاية في الأدب العربي، بل هو الحنين في قصائد الشعراء، والحنان في كتابات الأمهات، والأمل في قصص العشاق. كتب محمود درويش:
“وطني ليس حقيبة… وأنا لست مسافراً”،
وغنّى عبد الكريم الكابلي:
“أنا عندي حلم يا بلادي… ومهما تغربت عنك سأرجع”
وفي التراث العراقي، نجد الأبوذية والموالات تمتلئ بأوجاع الفراق وأحلام العودة، فالوطن بالنسبة للأديب هو الذاكرة، هو القصيدة التي تُتلى في المجالس والعيون.
الثقافة هي ما يميز كل وطن عن غيره. هي مزيج الفولكلور، والفن، واللغة، والعادات، والاحتفالات. إنها القهوة العربية في الصباح، وأغنية الفرات، وحكايات الجدات حول النار. حين تندثر الثقافة، يضيع الوطن في الزحام. لذا، نجد في كل الأمم مقاومة للغزو الثقافي، واعتزازاً بالتراث. حماية الثقافة مسؤولية كل مواطن، لأنها الحصن الأول لهوية الوطن.
الوطن في الجانب الاجتماعي هو المجتمع نفسه: حيث نكبر ونختبر معاني الحب والوفاء، ونتعلم المسؤولية. فيه نبني علاقات الجيرة والصداقة والتكافل. يقول الإمام علي (ع): “عمران البلاد بحب العباد”. مجتمع بلا تلاحم وتراحم، ينهار من الداخل مهما كان غنياً بالموارد. ومشكلة التمييز الاجتماعي أو الطائفية تُهدد الوطن في الصميم، فالمواطنة الحقيقية تتجاوز كل تلك الفوارق، وتبني على أساس العدل والمساواة.
تتجلى المواطنة في المشاركة الحقيقية في صناعة القرار، وفي الدفاع عن الوطن ضد العدوان والفساد. الوطن ليس مسؤولية السلطة فقط، بل مسؤولية كل فرد. الديمقراطية والعدالة وسيادة القانون ركائز للوطن القوي. وكما قال جون لوك: “حيث لا قانون، لا وطن”. المواطن الحق هو من يُمارس حقه في التصويت، ويطالب بحقه في الحرية والكرامة، ولا يقبل بالاستبداد أو التهميش.
الوطن القوي اقتصادياً هو الذي يؤمن فرص العمل لأبنائه، ويوفر لهم العيش الكريم، ويضمن توزيع الثروات بعدالة. كثير من شبابنا يهاجرون بحثاً عن فرص لا يجدونها في أوطانهم، وهذا جرح في جسد الوطن. التنمية المستدامة، وتشجيع الاستثمار المحلي، ودعم الطبقات الفقيرة، وتطوير التعليم والمهارات، هي مفاتيح اقتصاد مزدهر. وكما قال أمير الشعراء أحمد شوقي:
“وطني لو شُغِلْتُ بالخلد عنه … نازعتني إليه في الخلد نفسي”.
الاقتصاد ليس مجرد أرقام، بل هو حياة الناس اليومية وكرامتهم.
الوطن هو البيت الأول، والمدرسة الأولى، وهو الحضن الدافئ الذي نعود إليه كلما اشتد بنا التعب. والمواطن هو القلب النابض في جسد الوطن، لا يستقيم أحدهما دون الآخر. حب الوطن ليس شعراً نردده فقط، بل هو عمل يومي، وسلوك نبيل، ونضال من أجل الحق، ورفض لكل ظلم أو فساد.
لنجعل من أوطاننا أماكن للأمل والحرية والكرامة، ولنكن جميعاً مواطنين يعتز بهم الوطن ويفتخر.
✍️ الأديب الدكتور أحمد الموسوي
جميع الحقوق محفوظة للدكتور أحمد الموسوي
بتأريخ 12/10/2022

Leave a comment