“وحدة المثقفين: الكلمة الناطقة فوق كل الفوارق”

تُعد فئة المثقفين إحدى أكثر الفئات الإنسانية قدرةً على تجاوز الفوارق التقليدية التي طالما شغلت المجتمعات البشرية وأثرت في مساراتها التاريخية. فعلى الرغم من اختلاف الشرائح العلمية، وتنوع الخلفيات الأدبية والثقافية، وتعدد الانتماءات الدينية والمذهبية، وتباين الروابط السياسية واللغوية والنفسية، يظل المثقفون يجتمعون حول محور جوهري واحد: الكلمة الناطقة، التي تمثل جوهر الفكر، وأداة الحوار، ووسيلة البناء الحضاري.

أولاً: الفوارق الإنسانية وحضور المثقف

لقد شهد التاريخ محاولات عديدة لتوحيد الشعوب عبر الدين أو المذهب أو العرق أو حتى المصالح السياسية، إلا أن هذه المحاولات غالبًا ما أفضت إلى مزيد من التشظي والصراع. في المقابل، نجد أن المثقفين قد تمكنوا من بناء فضاء خاص، يتجاوز هذه الفوارق، ويؤسس لعالم من التلاقي الفكري والوجداني، حيث تصبح الكلمة هي الرابط الأسمى، والمعرفة هي القيمة العليا.

يؤكد القرآن الكريم على أهمية التعارف بين البشر، لا الانغلاق أو الصراع، في قوله تعالى:

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات: 13).

إن هذه الرؤية القرآنية تؤسس لمبدأ أن التعددية مصدر للتعارف والتكامل، لا للتناحر.

وفي السنة النبوية الشريفة، نجد حديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم :

“الحكمة ضالة المؤمن، أنّى وجدها فهو أحق بها.”

وهو حديث يرسّخ في الوعي المثقّف ضرورة البحث عن المعرفة، وتقدير الحكمة، أياً كان مصدرها أو حاملها.

أما في الكتاب المقدس المسيحي، فقد ورد قول السيد المسيح عليه السلام:

“وتعرفون الحق، والحق يحرركم” (يوحنا 8: 32)،

وفي رسالة بولس: “كل شيء مُباح لي، لكن ليس كل شيء يبني” (1 كورنثوس 10: 23).

وهذه النصوص تؤكد على قيمة الحقيقة والمعرفة كأساس للحرية والبناء الروحي والفكري.

ثانياً: الكلمة الجامعة بين المثقفين

على الرغم من أن قواعد اللغة قد تفرّق بين مستويات المثقفين في التعبير والبيان، إلا أن هذه الفروق لا تخلق بينهم حواجز أو عداوات. فالمثقف الحقيقي يدرك أن اللغة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لبلوغ المعنى الأعمق، وأن جوهر الثقافة يكمن في الحوار والانفتاح لا في التعصب أو الانغلاق.

وقد عبّر المفكر الفرنسي فولتير عن هذه الروح بقوله:

“قد أختلف معك في الرأي، لكنني على استعداد أن أموت دفاعًا عن حقك في التعبير عنه.”

إن هذا المبدأ هو ما يجعل عالم المثقفين فضاءً للجدل الخلاق، والاختلاف المنتج، لا ساحة للصراع أو الإقصاء.

ويؤكد الأديب المصري طه حسين على البعد الجوهري للثقافة بقوله:

“الثقافة هي ما يبقى بعد أن تنسى كل ما تعلمته في المدرسة.”

إن الثقافة الحقيقية هي ما يترسخ في الذات من قيم الحوار والتسامح وقبول الآخر، بعد أن تذوب التفاصيل الشكلية.

ثالثاً: أمثلة تاريخية على وحدة المثقفين

لقد شهد التاريخ نماذج مشرقة لوحدة المثقفين رغم اختلافاتهم. ففي بغداد العباسية، كان “بيت الحكمة” منارة للعلماء من مختلف الديانات والمذاهب، اجتمعوا فيه لترجمة العلوم وتطويرها. وفي الأندلس، تلاقى المسلمون والمسيحيون واليهود في فضاء واحد، أبدعوا فيه في الطب والفلسفة والشعر، تحت راية العلم والمعرفة.

رابعاً: جدلية الاتفاق والاختلاف

إن اتفاق المثقفين وتنافرهم، وحضورهم الجماعي أو اختلافهم في الرأي، يختلف جوهريًا عن أنظمة الشعوب التي سعت للوحدة عبر الدين أو المعتقد وفشلت في تحقيقها. فالمثقف لا يسعى إلى وحدة قسرية، ولا يخشى من الاختلاف، بل يدرك أن التنوع هو سر الحياة الثقافية، وأن الجدل والاختلاف منبع للحيوية والعمق.

خاتمة

إن المثقفين، عبر التاريخ، برهنوا على قدرتهم الفريدة في تجاوز الفوارق، وبناء عوالم من المعنى والجمال، حيث تظل الكلمة هي الرابط الحقيقي، واللغة هي الجسر نحو المستقبل. إنهم يغوصون في عوالمهم الخاصة، يختلفون ويتفقون، لكنهم يظلون أوفياء للكلمة والقيم التي تجمعهم، مهما اختلفت أديانهم أو مذاهبهم أو لغاتهم أو مشاربهم. وهكذا، تثبت الثقافة أنها قادرة على صنع وحدة لا تصنعها السياسة أو الدين أو العرق، وأن المثقف الحقيقي يضع الكلمة فوق كل الفوارق، ليجعل منها عالمًا مشتركًا يسع الجميع.

✍️الأديب الدكتور أحمد الموسوي

Screenshot

Leave a comment