(شرقٌ يطل من نافذة الحرب… ويضحك)
في مكانٍ ما من هذا العالم المتوتر، ينهض الشرق الأوسط كل صباح على هاجس من سيوقظه اليوم صافرة الإنذار، أم خبر عاجل، أم خطاب قائدٍ لم يعرف بعد أنّ الخطابات لم تعد تُطعم جائعاً ولا تُشفي يتيماً؟ منذ أن خلق الله الجغرافيا، وهذه البقعة من الأرض تشبه طنجرة الضغط، كلما قالوا: “هدوء” جاء الانفجار ضاحكاً، وكأنّ الشرق الأوسط كلما لبس بدلة العرس اكتشف أنها صُنعت لحضور مأتم.
ذات ليلٍ ثقيل، كان الإسرائيلي يتأمل صمامات الأمان في رأسه، فشعر بالقلق. “العصفور قد ينام على غصن الشجرة، لكن الذئب لا ينام!” قالها، ثم صعد طائراته ليكتب رسالة حُبٍّ ملغومة إلى إيران، رسالة كتلك التي يرسلها طالبٌ مفصول إلى أستاذه المتشدد: قصيرة، مفخخة، وتنتهي بانفجار. انطلقت الصواريخ الإسرائيلية كأنها عصافير هاربة من شباك الجغرافيا، تبحث عن أعشاش اليورانيوم تحت سماء إيران. وفي كل بيتٍ إيراني، كانت الأمهات يُسكتن الأطفال: “لا تخافوا يا أحبائي… هذا مجرد فيلم أكشن جديد، ينتهي بعد قليل أو ربما يبدأ من جديد.”
لم تصبر إيران كثيراً. نهضت مثل لاعب مصارعة كان ينتظر الصفارة، وقالت: “دورنا الآن!” جهزت طائراتها الصغيرة، وربما أعطتها بعض التوصيات: “احذروا من الأسلاك الشائكة، وتجنبوا الزحام فوق الدوحة.” أقلعت الطائرات… حلّقت… ثم أعلنوا في الأخبار: “الهجوم على قاعدة العديد الأمريكية.” أمريكا؟ لم تصب بأذى، قطر؟ ارتبك الشاي في الاستكانة، أما المواطن العربي فكان مشغولاً في البحث عن تحديثات أسعار الدولار.
أمريكا، كالعادة، تتصرف وكأنها الأم الكبرى في عائلة كثيرة الأولاد. لم تنتظر كثيراً حتى حملت عصاها الغليظة: ضربت مواقع إيران النووية بثلاث ضربات “حكيمة”. ثم عقدت اجتماعاً لمجلس الأمن… في غرفة معيشة البيت الأبيض! وخرج ترامب ليرتدي ثوب الواعظ: “توصلنا إلى اتفاق! الكل سيتوقف… وأنا بطل الفيلم.” صفق له الإعلام، وحتى القنوات المحلية في أمريكا نقلت الخبر مع موسيقى الانتصار.
في الوقت الذي كان فيه ترامب يحصي عدد الإعجابات على صفحته، كان وزير خارجية إيران يدقق في عقارب الساعة: “أي وقف نار؟ لا شيء رسمي حتى الآن… إذا توقفت إسرائيل سنتوقف نحن!” أما الإسرائيليون فقالوا: “نحن ملتزمون… إذا التزم الطرف الثاني.” وهكذا تدحرجت البيانات في أروقة السياسة مثل كرة سلّة بلا هدف، وكل طرف ينتظر الطرف الآخر ليخطو الخطوة الأولى.
وفي تلك الأثناء، كان المواطن في كل هذه البلاد، يجلس خلف شباك قديم، ينظر إلى سماء يضيئها اللهب، ويطفئها الأمل. يضحك على التصريحات كما يضحك الطفل على مهرج سقط من فوق المنصة: “قالوا هدنة، فإذا بقنابل جديدة تتساقط! قالوا حرب، فإذا بقادة يبتسمون أمام الكاميرات… نحن نعيش في عالمٍ لا يفهم إلا المزاح الثقيل.” ينهي استكان الشاي بنصف ضحكة: “يا رب… متى نرى الخبر العاجل يقول: تم فتح جميع الحدود للفرح، وأغلقت كل المعابر أمام القنابل؟”
وهكذا يا سادة، يتواصل العبث في بلادٍ تشتهي الاستقرار كما يشتهي العطشان الماء في السراب. حروبٌ تبدأ على الشاشات وتنتهي في المقابر، وساسةٌ يتصافحون فوق دماء أولادنا، ثم يختلفون على شكل الطاولة. في الشرق الأوسط، الأحداث تتكرر: كلما اتفقوا على هدنة، ولدت حرب من رحم اتفاق جديد. وكلما قالوا “لا عودة للوراء”، عادوا للجبهة وكأن التاريخ يعشق الإعادة أكثر من أي قناة فضائية. لكننا نحنُ—المشاهدون خلف الزجاج—لا زلنا نحلم… علَّ طفلاً في زاوية من هذا الخراب يبتسم، وتولد من بين أنقاض البيانات أغنية حياة.
وربما، بعد كل جولة من الضحك والدمع، سنكتشف يوماً أن هذه الأرض لا تحتاج إلى مزيد من المنتصرين… بل إلى أحدٍ يتقن فن الإنصات لصوت الحياة بين الركام.أو… حتى الحلقة القادمة!
بقلم الاديب الدكتور أحمد الموسوي

Leave a comment