«®» خواطر طبية «®»
( حسن الخاتمة )
من مذكراتي : د / علوي القاضي.
… الٱن تعودت أن أذهب لعملي في الثامنه صباحا لأجد المرضي في إنتظاري يستقبلونني بكلمات الثناء والدعاء ، التي تخرج من القلب ، لتصل إلى السماء بلا حجاب (أدعو الله أن تكون لي رصيدا يوم القيامة حين ألقى ربي) ، وهذا منهجي طوال حياتي ، فقد تعودت قبل بلوغي (سن السعادة) ، أن أستقل القطار إلى المستشفي بعد صلاة الفجر ، وبعد الإفطار وماتيسر من الشاي الأخضر ، ثم أغادر السكن متوجها لقسم الباطنة والقلب ، لأجد الممرضات قد تركن ملفات المرضي والسماعة وجهاز قياس الضغط على (الكاونتر) ، لأقوم بالمرور علي المرضي الجالسين علي أسرتهم في إنتظاري ، فأمر عليهم ، بدون ممرضة ، فقد أجهدهم السهر في متابعة الحالات الصعبة ، ثم يأتى الزملاء ليجدوا المرضي قد تم فحصهم ووصف العلاج ، وذهبت الممرضة والعامل لصرفه فيغادرون القسم يجرون أذيال الخيبة والندامة والحرج
… ثم أتابع الممرضات وهن يوزعن العلاج على المرضى ، إصح ياعم (أحمد) ميعاد العلاج ، إصحي ياحاجة (جمالات) ميعاد الحقنة ، الممرضات يعرفن أنهن لن يتلقين تقديرًا ماديًا أو معنويًا ، ورغم ذلك يتهمهم الأطباء بالإهمال ، وأهل المرضى بانعدام الضمير ، برغم هذا يعملن كخلية نحل ، فممرضة المختبر تحمل المحقن وأنابيب الإختبار ، وتأخذ العينات لتسليمها إلى المختبر
… عامل القسم (جمعه) قام مع العاملة بنقل أسطوانة الأكسوجين ، ثم نقل صناديق الدواء للقسم ، وهناك مريض ينتظره في الحمام ليجري له حقنة شرجية ، وفي المقابل يحصل على (جنيهان) من أهل المريض (إكرامية) ، وإذا كان المريض وحيدًا وفي غيبوبة ، ولا يعي ما يدور من حوله ، فإن (جمعه) سيفعل هذا لأنه عمله
… في نفس التوقيت ، نجد في ذلك (الأستوديو الفاخر) في (لبنان) ، يجلس أعضاء مهرجان (Arab idol) ، وهم يتابعون المتسابقين ، ثم ينتقلون إلى فندق يطل على أجمل الشواطئ مترنحين للإسترخاء ، فعليهم التدقيق مع المتسابقين ، لأهمية (الإهتمام) ببراعم الفن ، لاحظت عضو اللجنة (راغب علامة) يستولي على المميزين من المتسابقين ، هنا تبرز أهمية تقديم أصوات جديدة ومتميزة ، وسيقحمون في مناقشات مرهقة ثم يخلدون للراحة إستعدادًا لإستئناف البرنامج ، وبعدها يعود كل منهم لغرفته ليعاقر الخمر ، كي يزيل عناء اليوم ، وبعضهم ، من يخرج في جولة في شوارع المدينة ، أو يريح إرهاقه الفكري والنفسي بصحبة حورية لبنانية
… يوما شاهدت لقاءا يجمع بعض النخبة ، منهم شعراء وكتاب ومفكرين وفنانين أتذكر منهم ، المطرب محمد عبد الوهاب ، وأنيس منصور ، وإحسان عبد القدوس ، وموسى صبري والدكتور مصطفي محمود ، واسترعي إنتباهي كلمة للدكتور مصطفي محمود ، قال فيها أنه لا يؤمن بالأغاني والطرب الخارج عن الٱداب ، وأضاف أن العالم والداعية الإسلامي الشيخ / متولى الشعراوي ، حينما يسأله الله يوم القيامة عن ماقدمه للبشرية ، سيقول قدمت تفسيرا للقرٱن الكريم ، ويفتخر بذلك على رؤوس الأشهاد ، ووجه كلامه للمطرب محمد عبد الوهاب ، وقال أما عبد الوهاب سيقول قدمت أغنية (ماتبوسنيش في عينية دا البوسة في العين تفرق) وسيشعر بالخزي والعار ، فهناك فرق بين الإثنين ، هؤلاء القوم يشبهون سحرة القبيلة ورجال الدين النصابين
… ومع ذلك فالطبيب سيظل يتابع المرضى ، والممرضة مازالت توزع العلاج ، و (جمعه) العامل مازال يكنس الأرض ، والفني في المختبر مازال يفحص العينات ، وسوف يستمر هذا إلى يوم القيامة ، بعدها سوف يقف الجميع أمام الله ، سيقول (الطبيب) لقد تابعت ملايين المرضى ، و (جمعه) في فخر ، (يا رب أنا عملت حقنًا شرجية لٱلاف من المرضى ، وحملت الأدوية على كتفي عشرين عاما ، ونقلت ٱلاف المرضى للآشعة وٱلاف أسطوانات الأكسوجين و. و. مقابل جنيهات) ، وستقول الممرضة ، يارب أنا أعطيت العلاج لٱلاف المرضى ، وأخذت عينات دم وبول من مثلهم ، ثم يأتي (راغب علامة) وأعضاء اللجنة ليقولوا ، (يارب قدمنا أصواتا جديدة ومطربين للمجتمع للترفيه)
… ترى من الذي قدم خدمات أعظم للبشرية ؟! ، وهل صارت الإنسانية أفضل بالأصوات الجديدة ؟!
… هناك دومًا حلول وسط ، بين المقبول والمرفوض من أعمالنا ، وما سنحاسب عليه يوم القيامة ، فهناك طرب مشروع ومفيد للبشرية فعلاً مثل الأغانى المحترمة وعلى رأسها الوطنية ، وهناك التي يسهل أن تسقط في هاوية الفساد والإفساد وتتحول إلى أغاني تحمل الخلاعة في ثنايا حروفها ، وإثارة الغرائز ، عند ذلك يجب على المرء أن يختار المعسكر الذي يميل له
… أما أنا فإذا سألني ربي ماذا قدمت للبشرية سأبكي وأطلب الرحمة والعفو والمغفرة من الله ، فمهما قدمت لن يوف شكر نعمة مثل البصر
… تحياتي …
Leave a comment