“بين الحرية والابتزاز: كلمة إلى المثقف الواعي”
أيها الأدباء والمثقفون، يا من تنبض قلوبكم بحب الكلمة الحرة وروح الإبداع، إننا اليوم أمام ظاهرة غريبة، أن ينبري بعضهم مدّعين أنهم “حراس” أو “ملوك الأمان” لنصوصكم الأدبية والعلمية، وكأنهم أوصياء عليكم أو وكلاء عن ضمائركم وعقولكم. فمن نصبهم مسؤولا عليكم؟ ومن خوّلهم أن يضعوا الأقفال على أبواب الإبداع والفكر؟
إن الحرية الفكرية قيمة عظيمة، دعا إليها الإسلام وأكدها القرآن الكريم في قوله تعالى:
{وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29]
وفي قوله تعالى:
{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256]
فكيف يليق بنا أن نسمح لأحد أن يكرهنا على رأي أو يسجن أفكارنا في قوالب صنعها لنفسه؟
وتذكروا قول الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه:
“متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟”
فكونوا أحرارًا في دنياكم، لا تجعلوا من أنفسكم عبيدًا لأحد، ولا تسلموا زمام نصوصكم لمن يدّعي أنه حاميها، وهو في الحقيقة يعطلها ويقيدها ويبتز أصحابها.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولًا عظيمًا في الحرية والكرامة الإنسانية:
“لا يحلُّ مالُ امرئٍ مسلمٍ إلَّا بطيبِ نفسٍ منهُ”
(رواه أحمد وابن ماجه وصححه الألباني)
فلا يحق لأحد أن يستولي على جهدكم أو ينتهك حقوقكم الأدبية والعلمية دون رضاكم.
لقد علمنا التاريخ الإسلامي أن الحرية الفكرية كانت منارة حضارتنا. ألم تروا موقف الإمام أحمد بن حنبل حين رفض أن يُملى عليه رأي أو يُفرض عليه قول، رغم شدة المحنة والسجن والجلد؟ كان بإمكانه أن يستسلم، لكنه وقف شامخًا وقال: “بيننا وبينكم كتاب الله وسنة رسوله.” لم يطلب حماية من أحد، ولم يرضَ بوصاية أحد على فكره.
أيها المثقفون، إن من سُرق له بحث أو نص أو مقالة، فليتوجه إلى الشارع الأدبي، إلى الجمهور الواعي، إلى المحاكم التي وضعت لرد الحقوق، لا إلى مجموعات مجهولة ولا إلى من يدّعي حماية المثقفين وهو يخفي هويته ولا يُعرف له أصل ولا فصل. كيف يحمي غيره من لا يعرفه أحد؟
لا نعترف بحراس الشعر العربي ولا بمن يزعمون الوصاية على الإبداع. الأدب ملك للجميع، والوعي سلاحنا، والحرية تاج على رؤوسنا.
بلغوا أصحاب النصوص المسروقة في أي مكان، كونوا عيونًا للحق، ولا تجعلوا من أنفسكم أدوات في يد من يبتزكم باسم الحماية.
تحياتنا لكل الأحرار،
✍️المستشار الدكتور أحمد الموسوي

Leave a comment