«®» خواطر طبية «®»
( الطب مهنة إنسانية )
من ذكرياتي د / علوي القاضي.
… دعيت من الزملاء لحصور مؤتمر شعبي ، ينظمه أحد الأحزاب السياسية ، وطلبوا مني إلقاء كلمة بعنوان (الأطباء ومواجهة التحديات) فقلت والله الموفق :
… بسم الله الرحمن الرحيم السادة الحضور ، السادة الزملاء ، الإخوة والأخوات تحياتي لكم جميعا ، لطالما كانت مهنة الطب ، مهنة سامية ، ومباركة من عند الله ، فنعم العمل ، ونعم الثواب ، بمجرد أن تشعر بضجر أو ضيق في مريضك ، مهما بلغت شدته ، أو قلت حدته ، على الفور توجه تفكيرك وعلمك وعملك لحل مصابه وتخفيف ٱلامه ، ولنعم الأثر حينما تنال دعوة صادقة من عليل ، ضاقت به كل السبل وكنت أنت العون له بعد الله
… جميعنا يعلم أن أشد شئ فى مهنة الطب ليس المجهود البدني ، ولا الذهني ، ولا التوتر العصبي ، ولا قلة النوم ، أشد شئ حقا فى مهنة الطب ، هى إحساسك بالتقصير في حق أقرب الناس إليك ، نظرة زوجتك عندما تقول لك (هشوفك تاني إمتى) وإنت تقول لها (الله أعلم) وتنزل لشغلك ، إحساسك إنك تارك زوجتك تحل كل مشاكل البيت بمفردها ، لأنك مشغول طول الوقت ، صوت والدتك أو والدك ، وهم يتصلوا يسألوا عليك رغم أن المفروض العكس ، تقصيرك في حق أختك وأخوك وخالك وعمك وكل أقرباءك اللى بتختفي تقريبا في كل مناساباتهم ، فعلا أشد شئ في مهنتنا هو الشعور الدائم بالذنب في حق أقرب وأعز الناس في حياتنا
… كلنا متحملين تبعات التزامنا ، وأسرنا وأهلنا متحملين تقصيرنا في حقهم هل تعلمون لماذا ؟!
… لأن الطب ليس مجرد مهنة ، بل هو رسالة إنسانية ، وعلم وليس تجارة ، وواجب وليس مرتع للربح ، ولأن الطبيب سفير للرحمة
… لذلك يجب على أفراد المجتمع أن ينظروا للطب كمهنة ، وليس كوقف خيري ! ، وحياة الطبيب ليست صدقة جارية على البشر ، الطبيب شخص مؤهل لتقديم خدمة تشخيصية وعلاجية ، والمريض هو المستفيد من خدمات الطبيب ، ولأن الطب مهنة كسائر المهن ، لذلك فيها منافع متبادلة ، فيستفيد المراجع من الخدمة المقدمة ، وينتفع مقدم الخدمة بالعائد المادي ، إذا ليس الطب هو المهنة المنفردة بالإنسانية ، ونجد من ينادي بحق العامل ، وحق الخادم ، وحق كل موظف في الحياة ، ثم يأتي اللا منطق ويطلب من الطبيب أن يقدم خدمة (ترفيهية) للمستفيد (المريض) ألا وهي العمل حسب الطلب ، في حين يقوم الجميع بالعمل ، بما يحقق لهم منافع متبادلة ، فكيف يطالب الطبيب بالعمل بلا مقابل ( بدعوى أن الطب مهنة انسانية ) ؟!
… ليس من العدل أن نمضي من عمرنا عقود من الجهد لنصبح أطباء ندفع ثمنها من عمرنا وصحتنا ونظرنا وشبابنا وساعات متعتنا وقربنا من أحبابنا ، لنصبح أطباء متميزين ، ثم نتساوى في الراتب مع شخص دفعتنا أمضى حياته الجامعية في اللعب واللهو ، وتخرج بعدها ليجلس على مكتب ليحتسي الشاي ويقرأ الصحف ، بذلك يجعلون منا ٱلة تعمل يوميا ، لنمضي أكثر من ثلث حياتنا بالعمل ويحظرون علينا بالتصرف في وقت فراغنا ، فانت متفرغ للعمل لديهم ، ومن ثم يحرمونك من حقك حال تقاعدك ، وينتهي بك الأمر إلى جنيهات معدودة حال التقاعد ، ويحرمونك من بدل العدوى ، يعلمون أنك عرضة للاصابة يوميا من المرضى
… فعندما تترك بيتك ساعات طوال في العمل ، خلاف التناوب ، ألا تستحق أن تعوض بمكافأة تتناسب ومجهودك ، وعندما تستباح إنسانيتك ، وينكر عليك ساعة لراحتك ولغذائك ، وعندما تغفل حقوقك كمواطن وإنسان ، ويظل المريض على حق وإن أخطأ وأنت بلا حقوق وإن اصبت فانتظر الساعة
… عندما تتأمل كل هذا وزيادة ، إعلم يقينا أنك تعمل بلا مقابل ، تعمل بمهنة إنسانية ، تنتهك إنسانيتك كطبيب ، وكيف لمن لم تراعى إنسانيته أن يراعي أُناسٍ ٱخرين فـ (فاقد الشئ لايعطيه) ، عندها فقط تستطيع أن تقول : كفى ! ، فالطب مهنة ! وليس صدقة !
… تحياتي …

Leave a comment