“في هذا المساء”

حين تمرُّ الذكرى كريحٍ باردة

في هذا المساء،

أجلسُ عند طرف نافذتي

أراقبُ الشارعَ الخالي

وأسمعُ وقع المطر

كأنّه دقّات قلبٍ

يبحث عن دفءٍ قديم

تحت سقف الذكرى.

يمرُّ طيفُك خفيفًا

كأنّه اعتذارٌ متأخّر

أو غيمةٌ

لم تجد سماءً

تحتضن انهمارها.

أمدُّ يدي

أحاول لمس تفاصيلك،

فتنكمش الأصابع

على فراغٍ

باردٍ

كجفنِ أمٍّ

سُرِقَ منها ضحكُ طفلها.

تتسلّل الحكايات القديمة

من بين الشقوق،

تسألني:

لماذا صار البيتُ أكبرَ

وأنت أصغرُ من أن تملأه؟

لماذا ما زالت صورتك

معلّقةً

على الحائط

كشاهدِ قبرٍ

لا يزوره أحد؟

كلُّ شيءٍ هنا

ينتظر عودتك:

الكرسيُّ الخشبيُّ

تحت النافذة،

والكتابُ المفتوحُ

على سطرٍ لم تقرأه،

وفنجانُ القهوةِ

الذي برد

وما زال يحلم

بأصابعك

تدفئ حوافَّه.

أحاول أن أكتب

عن الفقد،

فلا تسعفني الكلمات؛

كلُّ حرفٍ

ينزف

ويجرح الورق،

كأنني أكتب

بشظايا قلبي.

وأنا أبحث عنك

في زوايا الغرفة،

في ارتجاف الستائر،

في صوت الريح

حين تصرخ باسمك

ولا يجيبها أحد.

أسمع وقع خطاك

في ذاكرة السجادة،

وأرى ظلَّك

يمرُّ على الجدران،

ثم يختفي

كأنك لم تكن

إلا حلمًا

تأخّر عن الصباح،

فأغلق بابه

وترك لي الليل

رفيقًا

وحيدًا

يبكي معي.

أيتها الأيام،

أعيدي لي لحظةً

من زمنٍ مضى؛

أريد أن أراك،

أن أسمع ضحكتك،

أن أحتضن غيابك

وأربّت على كتفه

كما كنت تفعل معي

حين كان الحزن

طفلاً صغيرًا

يخاف الظلام.

يا من تركت لي

ذاكرةً ثقيلة

أحملها

كلما مشيت

تحت المطر،

وكلما نظرت

في عيون العابرين

بحثًا عن ملامحك

التي تشبه

كلَّ الغرباء

ولا تشبه أحدًا.

كيف أشرح للوقت

أنك لم تعد هنا؟

كيف أقنع النافذة

أن تغلق نفسها

كي لا يدخل البرد

من غيابك

ويستوطن أنفاسي؟

أجلس

أعدُّ شقوق الجدران

وأحكي لها

عن ليالٍ

كنت فيها

تضحك

وتملأ البيت

دفئًا

وصوتًا

وحياةً.

الآن

كلُّ شيءٍ

صامت

إلا قلبي

يناديك

كل مساء

ولا يسمعه

سوى صدى

الحنين

والمطر

وبعض القصائد

التي تكتب نفسها

من دموعي.

✍️بقلم الاديب الدكتور أحمد الموسوي 

Leave a comment