كورونا والوعي النفسي: بين الحقيقة والخوف

في لحظات الأزمات الكبرى، يظهر معدن الإنسان الحقيقي، وتتكشف أمامه أهمية الوعي النفسي في مواجهة المجهول. جائحة كورونا لم تكن مجرد اختبار للأنظمة الصحية أو الاقتصادية، بل كانت امتحاناً صريحاً لصمودنا النفسي وقدرتنا على التوازن وسط العواصف.

منذ بداية انتشار الفيروس، امتلأت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي بفيض من الأخبار، كثير منها حمل طابع التهويل والترهيب. كلمات مثل “الهلاك”، “الفناء”، و”العجز” تسللت إلى عقول الناس قبل أن يصلهم الفيروس ذاته. وللأسف، وقع الكثيرون أسرى لهذا الخوف، فصاروا يترقبون الأسوأ، حتى باتت الصدمة النفسية أثقل من المرض نفسه.

علماء النفس لطالما أكدوا أن الاستجابة الأولى لأي أزمة تحدد مسارها في حياتنا. يقول فيكتور فرانكل، الذي عاش أقسى الظروف في معسكرات الاعتقال: “الإنسان يملك دائماً حرية اختيار موقفه تجاه ما يحدث له”. هذا الموقف هو جوهر الوعي النفسي الذي نحتاجه اليوم.

الخوف شعور إنساني طبيعي، لكنه حين يتحول إلى حالة دائمة من القلق، يضعف مناعة الجسم ويجعل الإنسان أكثر عرضة للأمراض. في دراسة نشرتها مجلة “The Lancet” عام 2020، وُجد أن التوتر النفسي خلال جائحة كورونا أدى إلى ارتفاع معدلات الأرق واضطرابات الجهاز المناعي لدى كثير من الأشخاص، حتى بين من لم يصابوا بالفيروس فعلياً. هنا تبرز أهمية أن نُحسن استقبال الأخبار، وأن نتحكم في ردود أفعالنا، بدلاً من أن نتركها تقودنا نحو المجهول.

الوقاية ليست مجرد إجراءات صحية، بل تبدأ من داخل النفس. حين نختار أن نعيش بهدوء، ونعتني بصحتنا الجسدية عبر التغذية المتوازنة، وأخذ الفيتامينات الضرورية مثل فيتامين سي والزنك، ونحرص على النظافة الشخصية، فإننا بذلك نمنح أنفسنا فرصة حقيقية للنجاة. الابتعاد عن الأماكن المزدحمة، خاصة إذا كنا نعاني من أعراض مرضية أو نعيش مع أشخاص أكثر عرضة للخطر، هو تصرف مسؤول ينم عن وعي متكامل.

وأود أن أشارككم قصة سيدة في منتصف العمر، كانت تعاني من قلق شديد مع بداية الجائحة، حتى أصبحت تخاف من الخروج أو التواصل مع الآخرين. لكن دعم أسرتها وحرصهم على بث الطمأنينة في نفسها، ومشاركتها لحظات يومية من التفاؤل والدعاء، ساعدها على تجاوز مخاوفها، واستعادة توازنها النفسي والجسدي مع الوقت. هذه القصة تلخص أهمية الدعم الاجتماعي في مواجهة الأزمات، إذ أن وجود من يشاركنا القلق ويمنحنا الأمل هو أحد أقوى أسلحتنا النفسية.

لكن الأهم من كل ذلك، ألا نسمح للخوف أن يسيطر علينا. هناك فرق كبير بين الحذر والهلع؛ الأول يحمي، والثاني ينهك الروح والجسد معاً. يقول ألبرت إليس، أحد رواد العلاج المعرفي السلوكي: “ما يزعجنا ليس الحدث نفسه، بل تفسيرنا له”. لذلك، لنتعلم أن نتعامل مع الأخبار بحكمة، وأن نبتعد عن مصادر الإشاعة، وأن نمنح أنفسنا فرصة للتأمل والسكينة.

أما الجانب الروحي، فهو السند الخفي في مواجهة الأزمات. لحظات التأمل، الدعاء، أو حتى الحديث الصادق مع النفس، كلها تمنحنا قوة داخلية لا تُقدَّر بثمن. في النهاية، نحن بحاجة إلى التوازن: أن نأخذ بالأسباب العلمية، ونطمئن أرواحنا بالتوكل على الله، دون إفراط أو تفريط.

كورونا تجربة صعبة، لكنها فرصة لإعادة اكتشاف ذواتنا، ولتعلم أن الوعي النفسي هو خط الدفاع الأول في مواجهة كل أزمة. لنكن هادئين، واعين، متفائلين، ولنمنح أنفسنا ومن حولنا دعماً صادقاً، ولنجعل من هذه المحنة درساً في الصبر والحكمة.

✍️بقلم المستشار الدكتور أحمد الموسوي

Leave a comment