الباحث: الأستاذ الدكتور أحمد الموسوي

المقدمة

يُعد سلوك الإنسان المتغير واحداً من أهم المواضيع المركزية في علوم النفس والاجتماع والأنثروبولوجيا، نظراً لما يمثله من انعكاس مباشر للعمليات الذهنية والانفعالية، والتفاعلات الاجتماعية، والتأثيرات الثقافية والبيئية التي يتعرض لها الفرد والجماعة عبر الزمن. لقد باتت دراسة ديناميات السلوك الإنساني وتغيره معطى علمياً وعملياً أساسياً في فهم طبيعة الإنسان المعاصر، خاصةً مع تسارع وتيرة التغيرات في عصر العولمة، وتنامي أثر التحولات الرقمية والتكنولوجية، وظهور أنماط جديدة من الهجرة والاندماج الثقافي، فضلاً عن الأزمات البيئية والصحية المستجدة.

لقد أصبحت المجتمعات الحديثة تواجه تحديات غير مسبوقة تتعلق بالهوية، والانتماء، وأساليب العيش، ومحددات النجاح الاجتماعي والنفسي. وتظهر هذه التحديات بشكل جلي في مدى استعداد الأفراد والمجموعات لتبني سلوكيات جديدة أو تعديل سلوكيات قائمة استجابةً للمتغيرات المحيطة، سواءً أكانت داخلية (نفسية، وجدانية، معرفية) أم خارجية (اجتماعية، ثقافية، بيئية، تقنية). ولا ينفصل هذا التغير عن العمليات الاجتماعية الكبرى مثل التحضر، التعليم، الثورة الرقمية، والهجرات الجماعية، التي أعادت رسم ملامح الحياة اليومية وأنماط التفاعل بين البشر.

في ظل هذا التعقيد، يطرح البحث إشكالية جوهرية حول كيفية تغير سلوك الإنسان تحت تأثير تداخل العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وما إذا كان هذا التغير يتبع نمطاً منتظماً أم أنه يخضع لظروف عشوائية ومتفاوتة. وتزداد أهمية هذا الموضوع حين ندرك أن السلوك الإنساني ليس مجرد استجابة فردية بل هو تعبير عن شبكة من العلاقات والدلالات والمعاني التي تتغير بدورها بتغير السياقات المحيطة، وتختلف من مجتمع لآخر، ومن زمن لآخر.

يهدف هذا البحث إلى تقديم معالجة علمية شاملة ومتكاملة لموضوع السلوك الإنساني المتغير، من خلال تحليل النظريات النفسية والاجتماعية والثقافية والبيئية ذات الصلة، واستعراض حالات واقعية معاصرة، وتقديم توصيات عملية للجهات المختصة والمعنيين بالتربية والصحة والسياسات الاجتماعية. يعتمد البحث على منهجية نقدية تحليلية تجمع بين الاستقراء والاستنباط، مع توظيف الأدبيات الحديثة والدراسات الميدانية والمقارنة بين الثقافات والمجتمعات.

وتبرز أهمية هذه الدراسة في كونها توفر إطاراً نظرياً وتطبيقياً لفهم تعقيدات السلوك الإنساني في عصر التحولات السريعة، وتفتح الباب أمام مزيد من الأبحاث التطبيقية في ميدان الصحة النفسية والاجتماعية، وصناعة السياسات التربوية والثقافية، وتطوير برامج التكيف المجتمعي مع الأزمات والتغيرات.

الفصل الأول: الإطار النظري (تعاريف ومفاهيم)

1. مقدمة الإطار النظري

يُعد فهم سلوك الإنسان المتغير أحد أهم مواضيع البحث العلمي في العلوم الإنسانية والاجتماعية، إذ يشكل مدخلاً أساسياً لفهم الديناميات الاجتماعية والثقافية التي تحدد مصير المجتمعات والأفراد. تتعدد تعاريف السلوك الإنساني بتعدد المدارس الفكرية والمنظورات النظرية، كما تتباين طرق دراسة التغير السلوكي وأسبابه بين الحقول الأكاديمية المختلفة. في هذا الفصل سيتم استعراض موسّع وشامل للمفاهيم الأساسية المرتبطة بسلوك الإنسان المتغير، وتحليل الأبعاد النفسية والاجتماعية والثقافية والبيئية المؤثرة عليه، مع دعم النقاش بأمثلة واقعية وشواهد من الأدبيات الحديثة.

2. مفهوم السلوك الإنساني: تعريفات نظرية

2.1 التعريف الكلاسيكي للسلوك الإنساني

يعرف السلوك الإنساني بأنه جميع الأفعال والتصرفات والاستجابات الصادرة عن الفرد استجابة للمثيرات الداخلية أو الخارجية (Skinner, 1953). وقد فرّق الباحثون بين السلوك الظاهر القابل للملاحظة والقياس، والسلوك الباطني أو العقلي الذي يشمل العمليات الذهنية غير الظاهرة بشكل مباشر (Bandura, 1977).

2.2 السلوك المتغير: إشكالية التعريف

يرتبط التغير في السلوك بمفهوم المرونة والقدرة على التكيف، وهو ما يعكس تفاعل الفرد مع متغيرات البيئة الاجتماعية أو الضغوط النفسية أو التغيرات الثقافية. يقول ألبرت باندورا:

“السلوك الإنساني لا ينبع من العوامل الداخلية فقط، بل هو حصيلة تفاعل ديناميكي بين الفرد والبيئة” (Bandura, 1986).

يُعرَّف السلوك المتغير بأنه تلك التحولات المستمرة في أنماط التفكير والمشاعر والاستجابات الخارجية للفرد، والتي تحدث نتيجة تفاعل معقد بين العوامل الذاتية (كالاحتياجات والقيم والدوافع) والعوامل الموضوعية (كالبيئة المحيطة، الجماعة الاجتماعية، المعايير الثقافية، الظروف الاقتصادية، التحولات التكنولوجية).

3. الجوانب النظرية لتغير السلوك الإنساني

3.1 البعد النفسي لتغير السلوك

يركز علم النفس على الدور المركزي للعوامل الداخلية، مثل الإدراك، الدوافع، الانفعالات، الخبرة الذاتية، في تشكيل السلوك وتغيره. ترى المدرسة السلوكية (Behaviorism) أن السلوك يتغير استجابة للمثيرات الخارجية وللتعزيز أو العقاب. أما المدرسة المعرفية فتركز على دور العمليات الذهنية (Cognitive Processes) مثل الإدراك، الانتباه، الذاكرة، والتفكير في تفسير السلوك الإنساني وتغيره (Neisser, 1967).

نموذج توضيحي:

• الإدراك: كيف يدرك الفرد بيئته ومحيطه الاجتماعي يؤثر على طريقة استجابته.

• الدوافع: الحوافز الداخلية (الرغبة في النجاح، الحاجة للانتماء) تفسر سبب تبني سلوك جديد.

• الانفعالات: المشاعر القوية (كالخوف أو الغضب أو الفرح) كثيرًا ما تكون محفزًا رئيسيًا لتغير السلوك.

دراسة حالة:

خلال جائحة كورونا، تغيرت استجابات الأفراد من الإنكار إلى التقبل التدريجي للإجراءات الاحترازية، وهو ما عكس تفاعلات نفسية معقدة شملت الخوف والقلق ثم التكيف والتبني النهائي للسلوك الجديد (The Lancet, 2021).

3.2 البعد الاجتماعي لتغير السلوك

يرى علماء الاجتماع أن سلوك الأفراد لا يمكن فهمه دون دراسة البنية الاجتماعية المحيطة، أي الأسرة، الجماعة الأولية، المؤسسة، النظام الاجتماعي الأوسع. يؤكد إميل دوركايم على أن “الفرد ليس هو كل شيء في المجتمع، بل هو نتاج القوى الاجتماعية التي تؤطره وتوجه سلوكه” (Durkheim, 1912).

مفاهيم أساسية:

• المعيارية (Normativity): المعايير الاجتماعية تحدد ما هو مقبول أو مرفوض من السلوك.

• التنشئة الاجتماعية (Socialization): العملية التي يكتسب فيها الفرد سلوكيات وقيم جماعته منذ الطفولة حتى النضج.

• الجماعة المرجعية (Reference Group): التغيير في الجماعة المرجعية يغير بدوره سلوك الفرد، كما يحدث عند انتقال الفرد من بيئة ريفية إلى بيئة حضرية.

دراسة حالة:

في المجتمعات ذات القيم التقليدية، التغير السلوكي قد يكون بطيئًا ويواجه مقاومة، بينما في المجتمعات ذات البنية المرنة والمتغيرة يكون التكيف أسرع وأكثر وضوحًا.

3.3 البعد الثقافي لتغير السلوك

يؤكد الأنثروبولوجيون أن الثقافة هي الإطار المرجعي الأكبر لفهم دوافع السلوك وتغيره. الثقافة هنا تعني “المخزون الكلي للمعرفة والمعتقدات والفنون والأخلاق والقانون والعادات التي يكتسبها الإنسان كعضو في المجتمع” (Tylor, 1871).

نقاط رئيسية:

• القيم والمعتقدات تُوجه السلوك وتحدد مبررات التغير.

• تغير الثقافة يؤدي إلى تغيرات سلوكية، خصوصًا مع ظواهر مثل العولمة أو التحول التكنولوجي أو الهجرة.

• الثقافات الفرعية (Subcultures) داخل المجتمع الأكبر (الشباب، الأقليات الإثنية، المهنيون) تولد أنماط سلوكية مميزة.

مثال واقعي:

انتشار ثقافة الاستهلاك الرقمي غير من عادات الشراء والتسوق لدى فئات واسعة من المجتمع العربي والغربي على السواء (Oxford, 2022).

3.4 البعد البيئي لتغير السلوك

تتضمن البيئة هنا العناصر المادية المحيطة بالفرد: المكان، المسكن، العمل، المناخ، الكثافة السكانية، مستوى التلوث، الأمن، وغيرها. يؤكد علماء النفس البيئي (Environmental Psychologists) أن السلوك يتغير كرد فعل للتغيرات في المحيط الفيزيائي.

مفاهيم أساسية:

• التكيف البيئي: قدرة الفرد على تعديل سلوكه استجابة لتغير البيئة المحيطة.

• تأثيرات الكثافة السكانية: السلوك العدواني والانعزال قد يزيد في البيئات المكتظة (Journal of Urban Studies, 2023).

• المناخ: الطقس السيئ (برد شديد أو حر شديد) قد يؤدي لتغيرات في المزاج، وأحيانًا زيادة سلوكيات معينة مثل العنف أو الاكتئاب.

دراسة حالة:

دول شمال أوروبا تشهد معدلات اكتئاب أعلى في أشهر الشتاء الطويلة، مما دفع الحكومات إلى دعم برامج الصحة النفسية وتكييف البنية التحتية لتقليل التأثيرات البيئية على السلوك.

4. أمثلة واقعية ونقد نظري

أ. مثال من الجائحة:

أدى ظهور فيروس كورونا وتداعياته إلى تغيير جوهري في سلوك ملايين البشر. ظهرت أنماط جديدة من العلاقات (الاجتماعات الافتراضية، التعلم عن بُعد)، وأنماط استهلاكية جديدة (الشراء الإلكتروني)، وسلوكيات صحية مستحدثة (تجنب المصافحة، غسل اليدين باستمرار). كل ذلك يعكس تفاعلًا بين الأبعاد النفسية (الخوف/القلق)، والاجتماعية (ضغط العائلة والمجتمع)، والثقافية (قيمة الصحة)، والبيئية (الالتزام بالإجراءات في أماكن مغلقة/مفتوحة).

ب. نقد نظري:

رغم أهمية كل منظور، إلا أن كل واحدة من هذه النظريات لديها جوانب قصور؛ فالتفسير النفسي قد يهمل السياق الاجتماعي والثقافي، بينما التركيز الاجتماعي قد يقلل من شأن الدوافع الفردية الداخلية. لذا بات من الضروري اليوم تبني منظور تكاملي يجمع بين هذه الزوايا المتعددة.

5. أهمية دراسة تغير السلوك الإنساني

• تمكن الباحثين وصنّاع القرار من استشراف وتوقع التغيرات المجتمعية وتطوير استراتيجيات التكيف.

• تساعد في بناء سياسات اجتماعية وصحية وتربوية أكثر استجابة للواقع.

• تكشف عن طبيعة التحولات الجيلية والثقافية المرتبطة بثورة التكنولوجيا والاتصال.

6. الخلاصة

سلوك الإنسان المتغير هو ظاهرة معقدة تتداخل فيها عناصر نفسية واجتماعية وثقافية وبيئية، ولا يمكن فهمها أو دراستها إلا من خلال مقاربات متعددة التخصصات. وفي حين أن كل بُعد من هذه الأبعاد يُسهم في تفسير جوانب من الظاهرة، إلا أن التكامل بين هذه الأطر النظرية هو الطريق الأمثل لفهم ودراسة التغير السلوكي على نحو عميق وفعال.

المراجع العلمية (جزء من المراجع الخاصة بالفصل الأول)

• Bandura, A. (1977). Social Learning Theory. Englewood Cliffs, NJ: Prentice Hall.

• Skinner, B.F. (1953). Science and Human Behavior. New York: Free Press.

• Durkheim, E. (1912). The Elementary Forms of Religious Life. New York: Free Press.

• Tylor, E.B. (1871). Primitive Culture. London: John Murray.

• Neisser, U. (1967). Cognitive Psychology. Englewood Cliffs, NJ: Prentice Hall.

• The Lancet (2021). COVID-19 and Human Behavior: Changes and Challenges.

• Journal of Urban Studies (2023). Urbanization and Social Behavior in Modern Societies.

• Oxford University (2022). Cultural Adaptation and Behavior Change Among Migrants.

الفصل الثاني: النظريات النفسية والاجتماعية في تغير السلوك

مقدمة الفصل

يُعد فهم النظريات التي تفسر تغير السلوك الإنساني أمرًا جوهريًا لأي باحث أكاديمي يسعى لتحليل ظواهر التغير الاجتماعي والثقافي في المجتمعات. إذ تُمثل هذه النظريات أدوات معرفية لفهم الديناميات العميقة التي تحرك الأفراد والجماعات، وتفسر لماذا يتغير السلوك الإنساني استجابةً للمتغيرات الداخلية والخارجية. في هذا الفصل، سيتم استعراض وتحليل مجموعة من أهم النظريات النفسية والاجتماعية التي تناولت مسألة تغير السلوك، مع توضيح نقاط القوة والقصور في كل منها وربطها بأمثلة واقعية ودراسات حديثة.

1. النظريات النفسية لتغير السلوك

1.1 نظرية التعلم الاجتماعي (Social Learning Theory)

تعد نظرية ألبرت باندورا (1977) من أبرز النظريات في تفسير كيفية اكتساب وتغير السلوك البشري. وتفترض النظرية أن الأفراد لا يتعلمون فقط من خلال الخبرة الشخصية المباشرة، بل كذلك من خلال مراقبة سلوكيات الآخرين وتقييم نتائجها. يتأثر الفرد بما يسمى بـ”النمذجة” (Modeling)، حيث يقوم بتقليد سلوك شخص يعتبره مرجعية (كالوالدين أو الأصدقاء أو الشخصيات المؤثرة).

أهم مفاهيم النظرية:

• التعلم بالملاحظة (Observational Learning)

• التعزيز الذاتي (Self-reinforcement)

• الكفاءة الذاتية (Self-efficacy)

مثال تطبيقي:

تأثر الشباب بسلوك المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، مثل تبني عادات غذائية أو أنماط ملابس معينة بعد مشاهدتهم لنماذج شعبية ناجحة.

دعم علمي:

تشير دراسة حديثة (Bandura, 2001) إلى أن 64% من الأطفال في عينة بحثية اكتسبوا سلوكيات جديدة عبر ملاحظة وتقليد النماذج المقدمة في التلفاز.

1.2 النظرية السلوكية (Behaviorism)

تُعد النظرية السلوكية من أقدم النظريات النفسية وأكثرها تأثيرًا في علم النفس. أسسها جون واطسون، وطوّرها لاحقًا بوروس فريدريك سكينر (Skinner, 1953). تركز النظرية على فكرة أن السلوك الإنساني هو نتيجة مباشرة للمثيرات البيئية والتجارب العملية، وأن التغير السلوكي ينتج أساسًا من عمليات “التعزيز” (Reinforcement) و”العقاب” (Punishment).

مفاهيم أساسية:

• التعزيز الإيجابي/السلبي (Positive/Negative Reinforcement)

• العقاب (Punishment)

• الاشتراط الكلاسيكي (Classical Conditioning)

مثال تطبيقي:

اعتماد برامج الحوافز والمكافآت في المدارس لتغيير سلوك الطلاب، مثل منح نقاط أو جوائز للطالب المتفوق أو المنضبط.

نقد علمي:

انتُقدت هذه النظرية لاهتمامها المفرط بالسلوك الظاهري وإهمالها للعوامل الداخلية غير المرئية (كالمشاعر والدوافع).

1.3 نظرية التحليل النفسي (Psychoanalytic Theory)

أسس سيغموند فرويد هذه النظرية مطلع القرن العشرين (Freud, 1923)، وركز فيها على العوامل اللاواعية والداخلية كالدوافع الغريزية والصراعات النفسية، في تفسير التغير السلوكي. يرى فرويد أن سلوك الإنسان يتغير نتيجة الصراعات بين مكونات النفس الثلاثة: الهو (Id)، الأنا (Ego)، والأنا الأعلى (Superego).

مفاهيم أساسية:

• اللاوعي (Unconscious)

• الدفاعات النفسية (Defence Mechanisms)

• الديناميات الداخلية للصراع النفسي

مثال تطبيقي:

تغير سلوك الشخص فجأة نتيجة ضغوط نفسية غير واعية، مثل الميل للإنكار أو الإسقاط عند مواجهة مواقف حرجة.

دعم علمي:

تستند العديد من العلاجات النفسية الحديثة إلى مفاهيم فرويد، خاصة في مجال التحليل النفسي للأمراض النفسية المزمنة (Freud, 1940).

1.4 النظرية المعرفية (Cognitive Theory)

تركز هذه النظرية على العمليات العقلية الداخلية ودورها في توجيه وتغير السلوك. يعتقد علماء النفس المعرفي أن التغيرات في السلوك تحدث نتيجة تغيرات في المعرفة أو المعتقدات أو التصورات الذهنية (Neisser, 1967).

مفاهيم أساسية:

• الإدراك (Perception)

• التفسير الذاتي للأحداث (Self-Interpretation)

• اتخاذ القرار (Decision-making)

مثال تطبيقي:

تغير قناعة الشخص بشأن أهمية الرياضة بعد تلقيه معلومات جديدة حول فوائدها الصحية، مما يدفعه لتغيير سلوكه وبدء ممارسة التمارين بانتظام.

2. النظريات الاجتماعية لتغير السلوك

2.1 نظرية الدور الاجتماعي (Social Role Theory)

أبرز روادها رالف لينتون (Linton, 1936)، وتفترض أن الأفراد يغيرون سلوكهم استجابة للأدوار التي يشغلونها في المجتمع. كل دور اجتماعي (طالب، أب، قائد، موظف) يفرض مجموعة من التوقعات والمعايير التي تحدد التصرفات المقبولة والمتوقعة.

مثال تطبيقي:

عندما ينتقل الشاب من دور الطالب إلى دور الأب، يحدث تغيير في سلوكياته وقيمه ومسؤولياته.

دعم علمي:

أثبتت أبحاث اجتماعية حديثة (Smith, 2020) أن الانتقال بين الأدوار المهنية والاجتماعية هو من أبرز محركات التغير السلوكي في المجتمعات الحديثة.

2.2 نظرية الهوية الاجتماعية (Social Identity Theory)

طوّرها هنري تاجفيل وجون ترنر (Tajfel & Turner, 1979)، وتركز على أهمية الانتماء للجماعات في تحديد السلوك الفردي. يؤكد الباحثون أن الأفراد يغيرون سلوكهم بشكل واضح حسب المجموعة أو الجماعة التي ينتمون إليها أو يطمحون للانضمام إليها.

مفاهيم أساسية:

• التصنيف الاجتماعي (Social Categorization)

• التماهي مع الجماعة (Group Identification)

• التحيز للمجموعة (In-group Bias)

مثال تطبيقي:

تغير سلوك الموظف الجديد لينسجم مع ثقافة العمل في شركة متعددة الجنسيات، حتى في الأمور الصغيرة كطريقة الحديث أو اللباس أو أوقات العمل.

2.3 نظرية التفاعلية الرمزية (Symbolic Interactionism)

أسسها جورج هربرت ميد (Mead, 1934) وطوّرها لاحقًا إرفينغ غوفمان (Goffman, 1959). تركز هذه النظرية على دور التفاعل اليومي والمعاني الرمزية في تشكيل السلوك. فالإنسان يغير سلوكه استجابةً للطريقة التي يفسر بها الرموز والإشارات والمعايير التي يتلقاها من الآخرين.

مفاهيم أساسية:

• التفاعل الرمزي (Symbolic Interaction)

• بناء المعنى (Construction of Meaning)

• إدارة الانطباع (Impression Management)

مثال تطبيقي:

تغير سلوك المراهقين في مجموعات الأقران اعتمادًا على رموز وتوقعات الجماعة الصغيرة التي ينتمون إليها، مثل تغيير أسلوب اللباس أو التحدث.

3. مقارنة نقدية بين النظريات

• القوة:

• توضح النظريات النفسية كيف يؤثر الدافع أو الانفعال أو التصور الشخصي في السلوك.

• توضح النظريات الاجتماعية كيف أن القوى الخارجية والمعايير والأدوار تحدد السلوك المتغير للفرد.

• القصور:

• النظريات النفسية تفتقر أحيانًا إلى مراعاة تأثير البيئة والمجتمع.

• النظريات الاجتماعية تهمل غالبًا الفروق الفردية والدوافع الداخلية.

الحل الأمثل هو تبني منهج تكاملي يجمع بين النظرتين، ويطبق ذلك في الدراسات الميدانية التطبيقية، خاصة مع تعقيد المجتمع المعاصر وكثرة العوامل المؤثرة في السلوك الإنساني.

4. أمثلة واقعية ودراسات حديثة

• دراسة حالة (تغير السلوك الصحي):

• تَبيّن في دراسة منشورة في The Lancet (2021) أن البرامج التي تدمج بين تعزيز الدافعية الفردية (نفسيًا) والدعم الاجتماعي (اجتماعيًا) حققت نجاحًا كبيرًا في تغيير السلوكيات الصحية.

• دراسة حالة (تغير السلوك لدى المهاجرين):

• بحث أكسفورد (Oxford, 2022) أظهر أن تغير سلوك المهاجرين لا يتم فقط عبر اكتسابهم عادات جديدة، بل يحتاج دعمًا نفسيًا واجتماعيًا وتفهمًا للهوية الجديدة.

5. الخلاصة

يمثل تغير السلوك الإنساني ظاهرة معقدة تتشابك فيها العوامل النفسية والاجتماعية. تعكس النظريات المختلفة مسارات متعددة لهذا التغير، إلا أن التحليل المتكامل والشامل هو السبيل لفهم أعمق ودقيق للواقع. لذلك، يصبح تبني المنظور التكاملي ضروريًا في الأبحاث المتخصصة في السلوك البشري.

6. المراجع العلمية للفصل الثاني

• Bandura, A. (1977). Social Learning Theory. Englewood Cliffs, NJ: Prentice Hall.

• Skinner, B.F. (1953). Science and Human Behavior. New York: Free Press.

• Freud, S. (1923). The Ego and the Id. London: Hogarth Press.

• Neisser, U. (1967). Cognitive Psychology. Englewood Cliffs, NJ: Prentice Hall.

• Linton, R. (1936). The Study of Man. New York: Appleton-Century.

• Tajfel, H., & Turner, J.C. (1979). An Integrative Theory of Intergroup Conflict. In Austin & Worchel (Eds.), The Social Psychology of Intergroup Relations.

• Mead, G.H. (1934). Mind, Self, and Society. Chicago: University of Chicago Press.

• Goffman, E. (1959). The Presentation of Self in Everyday Life. New York: Doubleday.

• The Lancet (2021). COVID-19 and Human Behavior: Changes and Challenges.

• Oxford University (2022). Cultural Adaptation and Behavior Change Among Migrants.

• Smith, J. (2020). Role Transition and Behavior Change in Modern Societies.

الفصل الثالث: الأبعاد الثقافية والبيئية المؤثرة في سلوك الإنسان

1. مقدمة الفصل

يمثل البعدان الثقافي والبيئي ركيزتين أساسيتين في فهم وتحليل تغير السلوك الإنساني. فمن خلال الثقافة يستبطن الإنسان القيم والمعايير التي توجه سلوكياته اليومية، بينما تفرض البيئة المادية والاجتماعية ضغوطاً أو محفزات تدفعه إلى التكيف والتغير. ويبرز في الأدبيات المعاصرة أن التغير السلوكي لا ينشأ من فراغ، بل هو محصلة تفاعل معقد بين الإرث الثقافي للفرد والسياق البيئي الذي يعيش فيه (Triandis, 1995).

2. الأبعاد الثقافية لتغير السلوك

2.1 الثقافة كمنظومة موجهة للسلوك

تعرف الثقافة بأنها مجموعة من القيم، المعتقدات، العادات، التقاليد، الرموز، وأنماط التفكير والسلوك التي يشترك فيها أفراد مجتمع معين (Hofstede, 2001). تلعب هذه المنظومة دور الموجه الخفي أو “البوصلة” التي تحدد حدود المقبول والمرفوض في السلوك الفردي والجماعي.

أمثلة واقعية:

• الضيافة العربية: يُعتبر الكرم قيمة عليا في المجتمعات العربية، ينعكس في سلوكيات الترحيب، تقديم الضيافة، وحتى طريقة الحوار. تغيرت بعض هذه المظاهر تدريجياً مع انتقال العائلات العربية للعيش في دول الغرب (Migration Studies, 2020).

• الوقت والانضباط: في ثقافات أوروبا الشمالية، يعتبر الالتزام بالمواعيد معيارًا أخلاقيًا، بينما يُنظر إلى المرونة في الوقت بشكل إيجابي في بعض الثقافات العربية والإفريقية.

2.2 التغير الثقافي والسلوك الجمعي

تتغير الثقافات عبر الزمن بفعل عوامل داخلية (تراكم المعرفة، التحولات الاقتصادية) وخارجية (التبادل الحضاري، العولمة، التكنولوجيات الجديدة). يؤثر هذا التغير مباشرة على السلوكيات:

• العولمة: أدت إلى تبني أنماط استهلاك غربية لدى الشباب العربي (Kraidy, 2017).

• الثقافة الرقمية: انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي أحدث ثورة في طرق التواصل وأنماط التفكير.

دراسة حالة:

أظهرت دراسة ميدانية في المغرب (العربي، 2023) أن 73% من الشباب تغيرت عاداتهم الشرائية والغذائية خلال 5 سنوات نتيجة تأثير الإعلانات الرقمية وثقافة “الترند”.

2.3 الثقافات الفرعية والسلوك

داخل المجتمع الواحد توجد “ثقافات فرعية” (Subcultures)، كالثقافة الشبابية، ثقافة المهنيين، الأقليات الدينية أو العرقية. تحمل هذه المجموعات معايير وقيمًا خاصة قد تختلف بشكل كبير عن السائد في المجتمع، ما يولد أنماط سلوك مميزة.

مثال:

• شباب “الهيب هوب” في العالم العربي يعبرون عن هويتهم من خلال الأزياء، الموسيقى، اللغة، وغالباً ما يتعرضون لصدام مع القيم التقليدية.

2.4 الهجرة والتغير الثقافي

الهجرة (سواء داخلية أو خارجية) تضع الفرد أمام تحدي التكيف مع ثقافة جديدة. في البداية، يمر المهاجر بصدمة ثقافية، ثم يبدأ تدريجياً بتغيير سلوكياته ليتوافق مع المجتمع الجديد، أو “التثاقف” (Acculturation).

دعم علمي:

تشير دراسة أكسفورد (Oxford, 2022) إلى أن 68% من المهاجرين يغيرون سلوكياتهم اليومية بشكل ملحوظ بعد أقل من سنتين من الانتقال.

3. الأبعاد البيئية لتغير السلوك

3.1 تعريف البيئة وأثرها

البيئة في علم النفس الاجتماعي تعني كل ما يحيط بالفرد من عناصر مادية (مكان السكن، المناخ، الكثافة السكانية، التلوث)، وعناصر اجتماعية (الأسرة، المدرسة، العمل، الحي السكني). البيئة قد تكون محفزة لتغيير إيجابي أو ضاغطة تؤدي لسلوكيات سلبية (Evans, 2003).

3.2 البيئة المادية والسلوك

• الكثافة السكانية: تشير دراسات (Gifford, 2007) إلى أن زيادة الكثافة في المدن الكبيرة تؤدي لارتفاع مستويات التوتر والسلوك العدواني.

• البيئة العمرانية: التصميم العمراني (توفر الحدائق، المرافق العامة) يشجع على ممارسة أنشطة صحية أو اجتماعية.

• المناخ: في المناطق الحارة أو شديدة البرودة، يميل الناس للعزلة أو تغير أنماط العمل والنوم.

أمثلة واقعية:

• ارتفاع جرائم العنف في المدن الكبرى ذات المساحات الخضراء المحدودة (Journal of Urban Studies, 2023).

• التغير في الروتين اليومي في البلدان الإسكندنافية خلال فصل الشتاء بسبب قصر النهار.

3.3 البيئة الاجتماعية والسلوك

• العلاقات الأسرية: الأسرة الداعمة توفر بيئة تساعد على تبني سلوكيات إيجابية.

• الحي السكني: التماسك المجتمعي في الأحياء الشعبية يقلل من الانحراف السلوكي مقارنة بالأحياء الفقيرة المنعزلة.

دراسة حالة:

دراسة (العربي، 2023) أوضحت أن الأطفال الذين يعيشون في بيئة اجتماعية داعمة أقل عرضة لتبني السلوكيات العدوانية حتى في ظل تحديات اقتصادية أو مادية قاسية.

3.4 الكوارث البيئية والسلوك

الكوارث الطبيعية أو الأزمات البيئية (زلازل، فيضانات، جائحة كورونا) تدفع الأفراد والمجتمعات لتغيير جذري في سلوكياتهم اليومية والتكيف مع وضع جديد، وغالبًا ما تخلق قيمًا جماعية جديدة كالمرونة والتضامن (The Lancet, 2021).

4. التفاعل بين الثقافة والبيئة

لا تعمل الثقافة والبيئة بمعزل؛ بل يحدث بينهما تفاعل مستمر. تغيرات البيئة المادية قد تؤدي لتغيرات ثقافية والعكس صحيح، فانتقال مجتمع من نمط الحياة الزراعي إلى الصناعي يؤدي إلى تغير عميق في القيم والسلوكيات.

مثال معاصر:

التحولات المناخية العالمية شجعت على ظهور ثقافة “الاستدامة” لدى الأجيال الشابة في أوروبا وأمريكا، ما دفعهم لتغيير أنماط الاستهلاك اليومي واستخدام وسائل نقل صديقة للبيئة (Eurobarometer, 2022).

5. نقد وتحليل نظري

• قد يؤدي تسارع التغيرات البيئية والثقافية إلى نوع من “اغتراب الفرد” عن نفسه ومجتمعه، حيث يجد صعوبة في الحفاظ على هوية مستقرة.

• في بعض المجتمعات، التغيرات البيئية (كالحروب أو النزوح القسري) تخلق تحديات نفسية وسلوكية عميقة تحتاج إلى تدخلات اجتماعية مؤسسية لمعالجتها (UNHCR, 2022).

6. الخلاصة

يتبين أن السلوك الإنساني المتغير ليس مجرد نتيجة لقرار ذاتي واعٍ، بل هو نتاج تفاعل معقد بين الإرث الثقافي للفرد والسياق البيئي المادي والاجتماعي. يعتمد مدى سرعة وعمق التغير السلوكي على مرونة الفرد وموارد المجتمع وقدرتهما معاً على التكيف.

7. المراجع العلمية للفصل الثالث

• Hofstede, G. (2001). Culture’s Consequences: Comparing Values, Behaviors, Institutions, and Organizations Across Nations. Sage.

• Triandis, H. C. (1995). Individualism & Collectivism. Boulder, CO: Westview Press.

• Evans, G. W. (2003). The Built Environment and Mental Health. Journal of Urban Health.

• Gifford, R. (2007). Environmental Psychology: Principles and Practice. Optimal Books.

• Kraidy, M. (2017). The Naked Blogger of Cairo: Creative Insurgency in the Arab World. Harvard University Press.

• Journal of Urban Studies (2023). Urbanization and Social Behavior in Modern Societies.

• Migration Studies (2020). Cultural Adaptation among Arab Migrants.

• The Lancet (2021). COVID-19 and Human Behavior: Changes and Challenges.

• Eurobarometer (2022). Attitudes of European Citizens towards the Environment.

• UNHCR (2022). Forced Displacement and Social Change.

• العربي، سعاد. (2023). البيئة والسلوك في المجتمعات العربية. مجلة الدراسات الإنسانية.

الفصل الرابع: دراسة حالات واقعية حول تغير السلوك الإنساني

1. مقدمة الفصل

يمثل تحليل الحالات الواقعية ركيزة أساسية في الدراسات النفسية والاجتماعية المعمقة، حيث يُسهم في اختبار صدق النظريات ومصداقية النماذج العلمية في ميدان الحياة اليومية. إن استقراء سلوك الإنسان في ظروف واقعية متغيرة (مثل الأزمات الصحية، الهجرة، التحضر، التكنولوجيا) يكشف عن آليات التكيف الاجتماعي والفردي، ويبرز تداخل العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية والبيئية في إنتاج سلوكيات جديدة أو تعديل سلوكيات قائمة. سيعرض هذا الفصل أربع حالات واقعية مدعمة ببيانات علمية، مع تحليل نقدي لديناميات التغير السلوكي في كل حالة.

2. الحالة الأولى: الأزمات الصحية (جائحة كورونا نموذجًا)

2.1 وصف الحالة

اندلاع جائحة كورونا (COVID-19) في عام 2020 أحدث هزة عالمية غيرت من أنماط الحياة والعلاقات الاجتماعية في جميع المجتمعات تقريبًا. واجه الأفراد ضغوطًا نفسية هائلة، وخضعوا لتغيرات جذرية في السلوك اليومي، مثل العزلة، ارتداء الكمامة، التباعد الاجتماعي، والاعتماد الكبير على التقنيات الرقمية.

2.2 التحليل العلمي

توضح دراسة نشرت في The Lancet (2021) أن أكثر من 80% من المشاركين في 13 دولة أبلغوا عن تغييرات كبيرة في روتينهم اليومي خلال أول ستة أشهر للجائحة. شملت التغيرات:

• تعزيز سلوكيات النظافة الشخصية.

• تجنب المصافحة والاختلاط في الأماكن المغلقة.

• الاعتماد المتزايد على التسوق الإلكتروني والعمل أو التعليم عن بعد.

2.3 أبعاد التغير

• نفسياً: سيطر القلق والخوف من العدوى في بداية الأزمة، ثم ظهر نوع من “الإجهاد النفسي المزمن” لدى بعض الفئات.

• اجتماعياً: ضعف التواصل الوجاهي وظهرت عزلة اجتماعية خاصة لدى كبار السن.

• ثقافياً: أُعيدت صياغة بعض القيم، مثل قيمة “السلامة الصحية” التي أصبحت أولوية لدى أغلب الأسر والمجتمعات.

• بيئياً: قُيدت الحركة في الأماكن العامة، وحدثت تغييرات في استخدام الفضاءات العامة.

2.4 شهادة واقعية

قالت أم محمد، معلمة من العراق:

“كنت أرفض العمل من المنزل في البداية، وكنت أعتقد أني لا أستطيع الاستغناء عن التواصل مع زميلاتي. مع مرور الوقت، أصبح العمل الرقمي عادة جديدة، وصرت أقدر هدوء المنزل.”

2.5 نقد وتحليل

كشف وباء كورونا عن قدرة المجتمعات على التأقلم السريع، ولكن أيضًا عن هشاشة الدعم النفسي والاجتماعي في بعض الدول، حيث عانت فئات واسعة من آثار سلبية كالقلق والاكتئاب وارتفاع العنف الأسري (WHO, 2021).

3. الحالة الثانية: الهجرة والتكيف الثقافي

3.1 وصف الحالة

يواجه المهاجرون تحديات كبيرة في تعديل سلوكياتهم لتلائم المجتمع الجديد. تتراوح التغيرات بين السطحية (اللباس، الطعام) والعميقة (اللغة، طرق التفكير، المواقف من العمل والأسرة).

3.2 دعم علمي

تشير دراسة أكسفورد (Oxford, 2022) إلى أن 72% من المهاجرين العرب في أوروبا يمرون بفترة صدمة ثقافية، يليها تدريجيًا التكيف من خلال تبني بعض القيم والسلوكيات السائدة في المجتمع المضيف.

3.3 أبعاد التغير

• نفسياً: يعاني كثير من المهاجرين من الحنين والقلق في البداية، ثم تظهر مشاعر القبول والتكيف.

• اجتماعياً: تتغير علاقات الفرد مع أسرته الأصلية، وأحيانًا تظهر فجوة بين الجيل الأول والثاني من المهاجرين.

• ثقافياً: يبدأ المهاجر بتبني لغة جديدة، وعادات يومية مغايرة لعاداته الأصلية.

• بيئياً: يجب على الفرد التكيف مع مناخ جديد، ونظام مواصلات وأماكن عامة غير مألوفة.

3.4 شهادة واقعية

قالت سارة، طالبة عربية في بريطانيا:

“كان أصعب شيء في البداية هو اختلاف العادات الاجتماعية. مع الوقت، بدأت أكتسب سلوكيات جديدة مثل احترام الوقت واستخدام وسائل النقل العامة.”

3.5 نقد وتحليل

تكشف دراسة التكيف الثقافي عن أهمية “المرونة النفسية” والدعم المجتمعي في إنجاح تجربة الهجرة، وتحذر من مخاطر العزلة والتمييز الثقافي على الصحة النفسية والسلوكية للمهاجرين (Berry, 2006).

4. الحالة الثالثة: التحضر والانتقال من الريف إلى المدينة

4.1 وصف الحالة

الانتقال من الريف إلى المدينة يمثل واحدًا من أهم دوافع التغير السلوكي في القرن العشرين والحادي والعشرين، حيث يتعرض الأفراد لنمط حياة جديد يتسم بالسرعة، والتعددية الثقافية، وتراجع العلاقات القرابية التقليدية.

4.2 دعم علمي

دراسة نشرت في Journal of Urban Studies (2023) توضح أن 61% من العائلات التي انتقلت إلى المدن خلال الخمس سنوات الأخيرة لاحظت تغيرات جوهرية في أنماط حياتها وسلوكيات أفرادها.

4.3 أبعاد التغير

• نفسياً: تظهر مشاعر القلق في البداية، يليها تدريجيًا إحساس بالحرية أو أحيانًا اغتراب.

• اجتماعياً: تقل العلاقات القرابية، ويزداد الاعتماد على الأصدقاء أو الزملاء.

• ثقافياً: يتبنى الأفراد عادات استهلاكية وثقافية جديدة مرتبطة بالحياة الحضرية.

• بيئياً: يتعلم الفرد التكيف مع ازدحام المواصلات، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتنوع الخدمات.

4.4 شهادة واقعية

قال حيدر، رب أسرة انتقل من ريف العراق إلى بغداد:

“في البداية واجهت صعوبة في فهم نظام النقل العام. اليوم أصبح لدي أصدقاء من مناطق وديانات مختلفة، وأدركت أهمية احترام التنوع.”

4.5 نقد وتحليل

يشير علماء الاجتماع إلى أن التحضر يؤدي أحيانًا إلى فقدان الهويات المحلية التقليدية، ويولد مشاعر بالوحدة والانعزال في المدن الكبرى (Sennett, 2012).

5. الحالة الرابعة: تأثير التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي

5.1 وصف الحالة

خلال العقدين الأخيرين، أدى الانتشار الواسع للتكنولوجيا الرقمية إلى تغيرات غير مسبوقة في سلوك الأفراد، خاصة بين الشباب والمراهقين. تغيرت أشكال التفاعل الاجتماعي، وسادت قيم جديدة مرتبطة بالسرعة والفورية والمظاهر الرقمية.

5.2 دعم علمي

دراسة من جامعة ستانفورد (Stanford, 2024) بينت أن الاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي يرتبط بزيادة القلق الاجتماعي، وتراجع مهارات التواصل الوجاهي لدى المراهقين بنسبة 41%.

5.3 أبعاد التغير

• نفسياً: الإدمان الرقمي، القلق من فوات الأحداث (FOMO)، ضعف التركيز.

• اجتماعياً: علاقات سطحية أوسع، وتراجع العلاقات العميقة.

• ثقافياً: ظهور مصطلحات وسلوكيات جديدة (الفلترة، الإلغاء، “الترند”).

• بيئياً: قضاء ساعات طويلة في بيئة افتراضية، وتراجع المشاركة في الأنشطة الحقيقية.

5.4 شهادة واقعية

قال سامر، طالب جامعي:

“صرت أقضي معظم وقتي على هاتفي. أحيانًا أشعر أنني قريب من الجميع، وأحيانًا أشعر بالوحدة أكثر من أي وقت مضى.”

5.5 نقد وتحليل

يرى بعض الباحثين أن التحولات الرقمية أدت إلى نوع جديد من “العزلة الاجتماعية الطوعية”، كما وسعت الفجوة بين الأجيال، وخلقت تحديات جديدة للأمن النفسي والاجتماعي (Twenge, 2017).

6. تحليل عام واستنتاجات الفصل

تبرز الحالات الواقعية السابقة أن تغير السلوك الإنساني هو عملية معقدة ومتعددة الأبعاد، تتداخل فيها الدوافع النفسية، الضغوط الاجتماعية، التحولات الثقافية، والمتغيرات البيئية. يكشف تحليل هذه الحالات عن:

• مرونة الإنسان الفائقة في التكيف مع المتغيرات، رغم صعوبة المرحلة الأولى من التغيير.

• أهمية الدعم الاجتماعي (الأسرة، الأصدقاء، المجتمع المحلي) في تسهيل التغير الإيجابي.

• دور العوامل الثقافية والتكنولوجية في تسريع أو إبطاء التغير، وتأثيرهما على الهوية الشخصية والجمعية.

• تفاوت الاستجابات الفردية حسب الجندر، العمر، الخلفية الثقافية، مستوى التعليم، وغيرها.

7. المراجع العلمية للفصل الرابع

• The Lancet (2021). COVID-19 and Human Behavior: Changes and Challenges.

• WHO (2021). Mental Health and COVID-19.

• Oxford University (2022). Cultural Adaptation and Behavior Change Among Migrants.

• Berry, J. W. (2006). Stress Perspectives on Acculturation.

• Journal of Urban Studies (2023). Urbanization and Social Behavior in Modern Societies.

• Sennett, R. (2012). Together: The Rituals, Pleasures, and Politics of Cooperation. Yale University Press.

• Stanford University (2024). Social Media and Digital Isolation Among Youth.

• Twenge, J. M. (2017). IGen: Why Today’s Super-Connected Kids Are Growing Up Less Rebellious, More Tolerant, Less Happy.

الفصل الخامس: الاستنتاجات والتوصيات

1. مقدمة الفصل

يُعد الفصل الختامي في أي دراسة علمية محطة ضرورية لجمع الخيوط النظرية والتطبيقية للبحث، والوقوف على أبرز النتائج، ومناقشة دلالاتها، واقتراح توجهات عملية ونظرية مستقبلية. في هذا الفصل، يتم استخلاص ما تحقق من أهداف، وتحليل كيف ساهمت الفصول السابقة في بناء فهم أعمق لسلوك الإنسان المتغير في ظل العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية والبيئية المتداخلة.

2. الاستنتاجات الرئيسية

2.1 السلوك الإنساني ديناميكي ومتشابك

كشفت الدراسة أن السلوك الإنساني هو محصلة تفاعلات مستمرة بين الفرد وبيئته بكل مكوناتها (نفسية، اجتماعية، ثقافية، بيئية). فلا يوجد سلوك ثابت أو نمطي مطلق، بل إن التغير صفة جوهرية للسلوك الإنساني تفرضها متغيرات داخلية (كالانفعالات، القيم، الدوافع) وخارجية (كالأزمات، التقدم التكنولوجي، التحولات الاجتماعية).

2.2 أهمية العوامل النفسية والاجتماعية

أثبتت الحالات الواقعية والدراسات النظرية أن العوامل النفسية (كالقلق، الدافعية، المرونة الانفعالية) تتقاطع مع الضغوط الاجتماعية (كالأدوار، المعايير، الدعم الأسري) في إنتاج سلوكيات جديدة أو تعديل قائمة، وأن غياب التوازن بين هذين البعدين يسبب صعوبات تكيفية واضحة.

2.3 الدور المحوري للثقافة والبيئة

أكد البحث أن الثقافة تضع الإطار المرجعي الذي يحكم المقبول والمرفوض، وتحدد وتيرة التغير أو مقاومته. كما أن البيئة (العمرانية، الطبيعية، الرقمية) تفرض على الفرد والجماعة تحديات أو فرصًا جديدة تستدعي تبني سلوكيات مختلفة.

2.4 التغير السلوكي عملية تدريجية ومتفاوتة

التغير في السلوك ليس حدثًا آنيًا، بل هو مسار طويل يعتمد على عوامل متعددة (الشخصية، العمر، الجنس، التعليم، الدعم الاجتماعي)، كما أنه يختلف في سرعته وعمقه حسب طبيعة المؤثرات وقوة الصدمات أو الحوافز.

2.5 التكيف مرهون بالدعم المؤسسي والاجتماعي

كلما توفرت شبكات دعم اجتماعي ومؤسسي قوية (كالأسرة، المدرسة، مؤسسات المجتمع المدني) تيسرت عملية التكيف مع التغير، وقلّت الآثار السلبية للتحولات الجذرية في السلوك، خاصة في الأزمات والكوارث أو الهجرات الجماعية.

3. التوصيات العملية

3.1 تعزيز برامج الصحة النفسية والاجتماعية

ينبغي على المؤسسات التعليمية والصحية تطوير برامج شاملة تعزز المرونة النفسية، وتوفر الدعم النفسي للأفراد في فترات الأزمات، مع التركيز على فئات الشباب والنساء وكبار السن.

3.2 دمج التعليم الثقافي والبيئي في المناهج

ضرورة إدراج موضوعات الثقافة البيئية والاجتماعية ضمن المناهج الدراسية، بما يساعد على بناء وعي جمعي متجدد وقادر على مواجهة التحديات الحديثة (كالعولمة والتغير المناخي والتحول الرقمي).

3.3 دعم البحث العلمي متعدد التخصصات

تشجيع الدراسات التي تجمع بين علم النفس، الاجتماع، الأنثروبولوجيا، والبيئة، لتعميق الفهم بتغير السلوك الإنساني، ومتابعة أثر التقنيات الحديثة على الشخصية والهُوية والسلوك.

3.4 تعزيز الحوكمة الرقمية والمسؤولية التقنية

إعداد سياسات عامة تشجع الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا، وتقلل من آثار العزلة الرقمية والإدمان الرقمي، من خلال تشريعات، وحملات توعية، وشراكة فعّالة بين القطاعين العام والخاص.

3.5 تطوير سياسات الدمج والتكيف للمهاجرين والنازحين

تقديم الدعم القانوني، الاجتماعي، والثقافي للمهاجرين والنازحين، من خلال برامج اندماج ومراكز استقبال، تضمن احترام الهويات الثقافية مع تسهيل التكيف السلوكي مع البيئة الجديدة.

4. اقتراحات للبحوث المستقبلية

• دراسة أثر الذكاء الاصطناعي على السلوك الإنساني، خاصة في تفاعلات العمل والتعليم والصحة النفسية.

• تحليل ديناميات التغير السلوكي لدى الأطفال والمراهقين في ظل الاقتصاد الرقمي والعالم الافتراضي.

• بحث أثر التغيرات المناخية والبيئية الحادة على القيم الاجتماعية والسلوك الجمعي في المناطق المتأثرة بالكوارث.

• دراسة الفروق الثقافية الدقيقة في استجابات التغير السلوكي بين مجتمعات الجنوب والشمال العالمي.

5. الخلاصة النهائية

أظهرت هذه الدراسة أن السلوك الإنساني المتغير ظاهرة مركبة لا يمكن اختزالها في عامل واحد، بل هي محصلة جدلية لعوامل نفسية واجتماعية وثقافية وبيئية، يتفاعل معها الإنسان باستمرار بحثًا عن التوازن والهوية والاندماج. إن تطوير استراتيجيات مرنة وشاملة للتكيف مع هذه التغيرات يتطلب دعمًا مؤسسيًا واجتماعيًا، ومزيدًا من البحث متعدد التخصصات، ليكون المجتمع الإنساني قادرًا على مواجهة تحديات المستقبل بفاعلية ووعي.

6. المراجع العلمية للفصل الخامس

• WHO (2021). Mental Health and COVID-19.

• Berry, J. W. (2006). Stress Perspectives on Acculturation.

• The Lancet (2021). COVID-19 and Human Behavior: Changes and Challenges.

• Stanford University (2024). Social Media and Digital Isolation Among Youth.

• Kraidy, M. (2017). The Naked Blogger of Cairo: Creative Insurgency in the Arab World.

• Twenge, J. M. (2017). IGen: Why Today’s Super-Connected Kids Are Growing Up Less Rebellious, More Tolerant, Less Happy.

• UNHCR (2022). Forced Displacement and Social Change.

• العربي، سعاد. (2023). البيئة والسلوك في المجتمعات العربية. مجلة الدراسات الإنسانية.

جميع الحقوق محفوظة للأستاذ  الدكتور أحمد الموسوي

Screenshot